الشيخ محمد رشيد رضا
209
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمعنى يا ابن أمي لا تعجل بمؤاخذني وتعتبني فإنني لم آل جهدا في الانكار على القوم والنصح لهم ولكنهم استضعفوني فلم يرعووا لنصحي ولم يمتثلوا أمرى ، بل قاربوا أن يقتلوني فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي فلا تفعل بي من المعاتبة والإهانة ما يشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين لأنفسهم بعبادة العجل بأن تلزني بهم في قرن من الغضب والمؤاخذة فلست منهم في شيء . والظاهر أنه يعني بالاعداء والظالمين فريقا واحدا وهم الذين عبدوا العجل فأنكر عليهم فوجدوا عليه وكادوا يقتلونه ، وهذا دليل على أنه كان دون موسى في قوة الإرادة وشدة العزيمة ، وهو ما اتفق عليه علماؤنا وعلماء أهل الكتاب * * * وما ذا كان من أثر هذا الاستعطاف في قلب موسى عليه السّلام قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي أي اغفر لي ما أغلظت عليه به من قول وفعل ، واغفر له ما عساه قصر فيه من مؤاخذة القوم ، لما توقعه من الايذاء حتى القتل ، وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ التي وسعت كل شيء يجعلها شاملة لنا وجعلنا مغمورين فيها . وهو أبلغ من « وارحمنا » وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وهذا ثناء ، يدل على مزيد الثقة في الرجاء ، والدعاء في جملته أقوى في استعتاب هارون من الاعتذار له ، وأدل على تخييب أمل الأعداء في شيء مما يثير حفيظة الشماتة ، قال الزمخشري في تعليله : ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تتم لهم شماتتهم ، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه ، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة ، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة اه * * * برأ القرآن المجيد هارون عليه السّلام من جريمة اتخاذ العجل ومن التقصير في الانكار على متخذيه وعابديه من قومه ، وهذا من أهم المواضع التي هيمن بها على كتب الأنبياء التي في أيدي أهل الكتاب فصحح أغلاط محرفيها ، وهو يحثو التراب في أفواه الطاعنين فيه وفيمن جاء به ( برأهما اللّه تعالى ) بزعمهم أنه أخذ عن التوراة ما فيه من أخبار موسى وغيره من أنبياء بني إسرائيل ، فإنه