الشيخ محمد رشيد رضا
210
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صلوات اللّه وسلامه عليه وعلى آله كان أميا لم يقرأ ولم يطلع على شيء من تلك الكتب ولم يكن في بلده من يعرف من تلك الكتب شيئا ، وقد كان يقرأ على أعدى المعاندين له من قومه مثل قوله تعالى ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) وقوله ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ) ولو كان يعلم أو كانوا يعلمون شيئا من تلك الكتب لكذبه في هذا أولئك الجاحدون والمعاندون وقد تقدم الاحتجاج بهذا ، والغرض هنا إقامة حجة أخرى وهي انه لو كان ( ص ) نقل عن التوراة لوافقها في كل ما نقله وهو قد خالفها في مواضع بما جعله منزله جل جلاله مهيمنا ورقيبا عليها ، ومصححا لاهم ما وقع من التحريف فيها ، ومنه تبرئة هارون وغيره من الرسل عليهم السّلام من الذنوب والجرائم التي عزيت إليهم فيها فجعلتهم قدوة سيئة كجعل هارون عليه السّلام هو الصانع للعجل كما هو مفصل في الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج قال : « ( 1 ) ولما رأى الشعب ان موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له : قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا لان هذا موسى الرجل الذي اصعدنا من أرض مصر لا نعلم ما ذا أصابه ( 2 ) فقال لهم هارون : انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها ( 3 ) فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي كانت في آذانهم واتوا بها إلى هارون ( 4 ) فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكا فقالوا : هذه آلهتك يا إسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر ( 5 ) فلما نظر هارون بني مذبحا أمامه ونادى هارون وقال : غدا عيد للرب ( 6 ) فبكروا في الغد واصعدوا محرقات وقدموا ذبائح سلامة وجلس الشعب للاكل والشرب ثم قاموا للعب ( 7 ) فقال الرب لموسى : اذهب انزل لأنه قد فسد شعبك الذي اصعدته من ارض مصر ( 8 ) زاغوا سريعا عن الطريق الذي اوصيتهم به صنعوا لهم عجلا مسبوكا وسجدوا له وذبحوا له وقالوا : هذه آلهتك يا إسرائيل التي اصعدتك من ارض مصر » وبعد هذا ذكر أن الرب قال لموسى ان هذا الشعب صلب الرقبة وان غضبه