الشيخ محمد رشيد رضا

207

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منهم من كفر الشرك ، واغضاب اللّه عز وجل قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي بئس خلافة خلفتمونيها من بعد ذهابي عنكم إلى مناجاة الرب تعالى من بعد ما كان من شأني معكم ان لقنتكم التوحيد وكففتكم عن الشرك وبينت لكم فساده وبطلانه وسوء عاقبة أمره حين رأيتم القوم الذين يعكفون على أصنام لهم من تماثيل البقر - فكان الواجب عليكم أن تخلفوني باقتفاء سيرتي ولكنكم خلفتموني بضدها إذ صنعتم لكم صنما كأصنام أولئك القوم أو كأحد أصنام المصريين فعبده بعضكم ، ولم يردعكم عن ذلك سائركم - فالتوبيخ عام ، وفيه تعريض خاص بهارون عليه السّلام لأنه جعله خليفته فيهم كما تقدم أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ قال في لسان العرب : وعجله سبقه ، وأعجله استعجله . وفي التنزيل العزيز ( أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) أي استبقتم قال الفراء : تقول عجلت الشيء أي سبقته وأعجلته استحثثته اه وقال في الكشاف : يقال عجل عن الامر إذا تركه غير تام ، وتقيضه تم عليه ، وأعجله عنه غيره ، ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال عجلت الامر . والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ، فبنيتم الامر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم بموتي فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم . وروي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال ( هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ) : إن موسي لن يرجع وانه قد مات اه وقال ابن كثير وقوله ( أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) أي استعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدر من اللّه تعالى اه وقد نقل الآلوسي كلام الكشاف من غير عزو كعادة أكثر المؤلفين بعد سلف الأمة ثم قال . وذهب يعقوب إلى أن السبق معنى حقيقي له من غير تضمين . والامر واحد الأوامر ، وعن الحسن : ان المعنى أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ؟ فالامر عليه واحد الأمور اه والمراد بالأربعين ما بينه من أنها الليالي التي واعد موسى ربه كما تقدم ثم قال وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ أي وطرح الألواح من يديه ليأخذ برأس أخيه مما كان من شدة غضبه للّه تعالى وأسفه لما فعل قومه