الشيخ محمد رشيد رضا

206

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً ذكر في أول مادة أس ف من لسان العرب ان الأسف شدة الحزن والغضب . والأكثرون لا يشترطون شدتهما قال في المصباح : أسف أسفا من باب تعب حزن وتلهف فهو أسف مثل تعب ، وأسف مثل غضب وزنا ومعنى ، ويعدى بالهمزة فيقال آسفته . وقال الراغب : الأسف الحزن والغضب معا ، وقد يقال لكل منهما على الانفراد ، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضبا ، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزنا ، ولذلك سئل ابن عباس عن الحزن والغضب ؟ فقال مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غيظا وغضبا ، ومن نازع من لا يقوى عليه أظهره « 1 » حزنا وجزعا . وبهذا النظر قال الشاعر : * فحزن كل أخي حزن أخو الغضب * ثم ذكر ان الأسف في الآية التي نفسرها هو الغضبان فهو إذا مترادف ، وقد فاته هنا ما نعهد من تحقيقه لمدلولات الالفاظ وما أظن أن ما نقله عن ابن عباس يصح فان ما ذكر من المقابلة بين الغضب والحزن إنما يظهر بين الغضب والحقد ، وانما الحزن ألم النفس بفقد ما تحب من مال أو أهل أو ولد . وليس من شهوة الانتقام في شيء . ومن شواهد استعمال الأسف بمعنى الحزن قوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السّلام ( وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ) ومن شواهد استعماله بمعنى الغضب قوله تعالى ( فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ) ولا يوصف تعالى بالحزن ولا يسند اليه . وغضبه سبحانه ليس كغضب البشر ألما في النفس ، ولا أثر الغليان دم القلب ، تعالى عن هذه الانفعالات والآلام البشرية ، وانما هو صفة تليق به هي سبب العقاب . والجمع بين الغضبان والأسف في صفة موسى عليه السّلام يدل على أن الأسف بمعنى الحزين والمعنى أنه لما رجع موسى من الطور إلى قومه غضبان على أخيه هارون إذ رأى أنه ضعف في سياسته لهم ، ولم يكن ذا عزيمة في خلافته فيهم ، حزينا على ما وقع

--> ( 1 ) كذا والمعنى يقتضي أن يقال : أخفاه - أو - أسره