الشيخ محمد رشيد رضا
205
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هريرة قال سمعت رسول اللّه ( ص ) يقول « لن يدخل أحدا عمله الجنة » قالوا ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال « ولا أنا الا أن يتغمدني اللّه بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا » الخ الحديث ، وفي مسلم من حديث جابر « لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار . ولا أنا الا برحمة من اللّه » وأمثل الأجوبة في الجمع بين الحديث وبين الآيات الكثيرة الصريحة في دخول الجنة بالعمل ان ذلك بفضل اللّه ورحمته فان عمل أي عامل لا يستحق عليه لذاته ذلك النعيم الكامل الدائم ، بل لا يفي عمل أحد ببعض نعم اللّه تعالى عليه في الدنيا . وأما قولهم إن دخول الجنة بالرحمة واقتسامها بالاعمال فهو لا يدفع التعارض بين الآيات والحديث فان منها ( 16 : 33 ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) « 1 » * * * ( 149 ) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ . قالَ : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ، فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
--> ( 1 ) وقال شيخ الاسلام ابن تيمية : وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله » لا يناقض قوله تعالى ( جزاء بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) فان المنفي نفي بباء المقابلة والمعاوضة كما يقال : بعت هذا بهذا ، وما أثبت أثبت بباء السبب فالعمل لا يقابل الجزاء وان كان سببا للجزاء ، ولهذا من ظن أنه قام بما يجب عليه وانه لا يحتاج إلى مغفرة الرب تعالى وعفوه فهو ضال كما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لن يدخل أحد الجنة بعمله - قالوا ولا أنت يا رسول اللّه قال - ولا أنا الا ان يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » وروي « بمغفرته » ومن هذا أيضا الحديث الذي في السنن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « ان اللّه لو عذب أهل سماواته وأهل ارضه لعذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم » الحديث