الشيخ محمد رشيد رضا

186

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والأقطار المختلفة بأسلاك كهربائية موصلة بين الآلات المؤدية للكلام والقابلة له بما هو من قبيل الخط لا الصوت وهي الآلة المعروفة بالتلغراف فكل من هذا وذاك أداء للكلام الذي يقوم في نفس صاحبه ويريد ايصاله إلى غيره وكل منها يسمى كلامه حقيقة كما يعلم من استعمال العرب الخلص والمخضرمين والمولدين الذين تلقوا عنهما ومن بعدهم ، وللأخطل الشاعر المشهور في دولة بني أمية بيت من الشعر تداوله المتكلمون واستشهدوا به على الكلام النفسي والكلام اللفظي يفهم منه ان الأول عنده هو حقيقة مدلول الكلمة وان الثاني مجاز مرسل وهو : ان الكلام لفي الفؤاد وانما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا وليس هذا بحجة لغوية على ما ذكر وقصارى الاحتجاج بشعر الشاعر ان استعماله الذي يستعمله صحيح في اللغة في مفرداته وتركيبه ، وذلك لا يقتضي أن يكون رأيه فيه صحيحا ، ولا أن يكون كل ما يقوله حقا في الواقع ولا في اعتقاده ولا سيما إذا كان شعرا ، فاستعمال العرب لمادة الكلام تدل علي ان اللفظ المركب الدال بالوضع على المعاني كلام حقيقة ، وقد قال الزمخشري في حقيقة الأساس من هذه المادة : سمعته يتكلم بكذا ، وكلمته وكالمته ، وكانا متصارمين فصارا يتكالمان ، وموسى كليم اللّه . ونطق بكلمة فصيحة وبكلمات فصاح وبكلم اه فلكلام الانسان صفة أو ملكة في نفسه يناجيها بها ويصور فيها ما ينظمه أو يقدره ويزوره ليخاطب به غيره ، وصفة أو ملكة في لسانه ، وصفة أو صورة فيما يرسمه بقلمه على الورق ، وصورة أخرى فيما يحرك به آلة التلغراف السلكي أو غير السلكي مخاطبا لبعض الناس في بعض البلاد ، وصورة أخرى في الهواء تحدث عند النطق به زمنا قصيرا وقيل إنه أطول مما يظن ، وصورة أخرى فيما ينقشه المكروفون في لوح آلة الفوتوغراف تكون محفوظة فيه إلى أن تعيده الآلة كما ألقي فيها صوتا مؤلفا من الالفاظ الدالة على المعاني ، وكلام كل أهنا ما ينشئه في نفسه ويؤديه إلي غيره يطريقة من الطرق التي ذكرناها ، وينقل عن قليل من البشر أنهم قد يؤدون بعض كلامهم الذي في أنفسهم إلى بعض المستعدين بقوة توجيه الإرادة وانهم قد يطلعون على بعض