الشيخ محمد رشيد رضا
187
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ما يجول في أنفس غيرهم من الكلام ، فمن لم يصدق هذا عنهم فليعد الاعتبار به من ضرب المثل . ومهما تكن الوسيلة التي وصل بها علم المنشىء للكلام إلى غيره فان غيره يصير مثله في تصوره في نفسه وفي تصويره لغيره بالوسائل المشار إليها آنفا . مثال ذلك قول لبيد ( رض ) ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل تألف نظم هذا البيت في نفس لبيد بمقتضى الصنعة والغريزة التي بها يصور الانسان ما في علمه لنفسه ولغيره ، وسمعه الناس من لسانه فنقلوه عنه بألسنتهم ثم بأقلامهم ، ولا يزال بعضهم يرويه عن بعض ويمكنهم في هذا العصر أن يتناقلوه بالتلفون والتلغراف ، ولكنه في أي صورة ظهر وبأية وسيلة نقل هو من كلام لبيد قاله منذ أربعة عشر قرنا وليس كلام أحد ممن ينشده اليوم بلسانه أو يرقمه بقلمه أو يؤديه إلى غيره بالتلغراف أو غيره إذا تذكرت هذا كله في كلام الانسان المخلوق على ضعفه ونقصه ، وأن الكلام من صفات الكمال التي أثبتها اللّه تعالى لنفسه - وتذكرت مع هذا كمال الخالق وتنزهه عن مشابهة خلقه في ذاته وصفاته وأفعاله - وأنه كلفك الايمان بوجوده وباتصافه يجمع ما وصف به نفسه من غير تعطيل ولا تشبيه - فأي عثرة يعثر بها عقلك إذا آمنت بأن للّه تعالى كلاما هو صفة من صفاته الثابتة له أزلا وأبدا لأنها مرآة علمه الأزلي الأبدي ، وانه بلغ بعض رسله من الملائكة ما شاء من كلامه ليوحوه إلى رسله من البشر ليلغوه لأممهم كما خاطب موسى بما شاء منه ، وان هذا الكلام واحد على اختلاف وسائل تبليغه وحفظه ، فقيامه بذات اللّه تعالى غير تمثله في نفس جبريل ، وفي نفس موسى حين سمعه من وراء حجاب ، وأداء جبريل إياه ونزوله به على قلب محمد صلّى اللّه عليه وآله وعلى من قبله من الرسل ( ع م ) غير أداء اللّه تعالى إياه إلى جبريل ، وقيامه في نفس الملك غير قيامه في نفس البشر كما أن قيامه في الهواء عند التلفظ به غير قيامه في لوح الفونغراف ، وكلاهما غير قيامه في الصحف وكونه على اختلاف صوره وطرق أدائه واحدا في كونه كلام اللّه القديم الأزلي كما قلنا في بيت لبيد من كون انشادنا له وكتابتنا إياه اليوم