الشيخ محمد رشيد رضا

180

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء ، ويؤول النزول بنزول الامر ، ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين ، ويؤول القدم بقدم صدق عند ربهم ، وأمثال ذلك . ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام اللّه تعالى معنى قائما بالذات بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم « وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين لأني على مذهب الشافعي رضي اللّه تعالى عنه عرفت فرائض ديني وأحكامه فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الاجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم ، ثم انني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها ، وأجد الكدر والظلمة منها ، وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها ، فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره ، المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره « وكنت أخاف من إطلاق القول باثبات العلو والاستواء والنزول مخافة الحصر والتشبيه ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني وأجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها ، وأعلم بالاضطرار أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحضر في مجلسه الشريف العالم والجاهل والذكي والبليد والاعرابي الجافي ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها لا نصا ولا ظاهرا مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء مشايخي الفقهاء المتكلمين ، مثل تأويلهم الاستيلاء بالاستواء ، ونزول الامر للنزول وغير ذلك ، ولم أجد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يحذر الناس من الايمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين وغيرها ، ولم ينقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني اخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها » بعد هذا شرع الامام الجويني في إيراد النصوص من الكتاب العزيز والأحاديث النبوية في مسألة علوّ الرب تعالى وهي معروفة ولبعض حفاظ السنة فيها مصنفات خاصة كابن قدامة والذهبي وكتابا هما مطبوعان عندنا . ثم قال في المسألة من وجهة النظر العلمية « ومن عرف هيئة العالم ومركزه من علم الهيئة وانه ليس له إلا جهتا العلو والسفل ثم اعتقد بينونة خالقه عن العالم فمن لوازم البينونة