الشيخ محمد رشيد رضا
181
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن يكون فوقه لان جميع جهات العالم فوق وليس السفل إلا المركز وهو الوسط » ثم إنه وضح هذه المسألة في آخر الرسالة وقال قبل ذلك وبعد بيان مسألة صفة العلو : ( فصل ) إذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبه التأويل وعماوة التعطيل ، وحماقة التشبيه والتمثيل ، وأثبتنا علو ربنا سبحانه وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته ، والحق واضح في ذلك والصدور تنشرح له ، فان التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره ، والوقوف في ذلك جهل وعيّ مع كون الرب تعالى وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها ، فوقوفنا عن اثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها ، فما وصف لنا نفسه بها الا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك « 1 » وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة . فمن وفقه اللّه تعالى للاثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف فقد وقع على الامر المطلوب منه إن شاء اللّه تعالى ( فصل ) والذي شرح اللّه صدري في حال هؤلاء الشيوخ الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء والنزول بنزول الامر واليدين بالنعمتين والقدرتين هو علمي بأنهم ما فهموا في صفات الرب تعالى الا ما يليق بالمخلوقين فما فهموا عن اللّه استواء يليق به ولا نزولا يليق به ولا يدين تليق بعظمته بلا تكييف ولا تشبيه فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه وعطلوا ما وصف اللّه تعالى نفسه به ، ونذكر بيان ذلك ان شاء اللّه تعالى « لا ريب انا نحن وإياهم متفقون على اثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام للّه ونحن قطعا لا نعقل من الحياة الا هذا العرض الذي يقوم باجسامنا وكذلك لا نعقل من السمع والبصر الا أعراضا تقوم بجوارحنا فكما انهم يقولون حياته ليست بعرض وعلمه كذلك وبصره
--> ( 1 ) في كلام الجويني هذا أوضح تفنيد لمنع بعض المتكلمين من تلقين العامة الآيات والأحاديث الواردة في صفاته تعالى كما اقترحوه على شيخ الاسلام ابن تيمية بما كان لهم من المكانة عند الحكومة المصرية في زمنه بعد الجويني الذي يعدونه هو وولده امام الحرمين من شيوخهم وأئمتهم