الشيخ محمد رشيد رضا
179
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد ورد فيه ذكر « كلام اللّه » في مواضع لا مدلول لها الا ما يسمونه هم الكلام اللفظي - كقوله تعالى ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) فالمراد بكلام اللّه القرآن قطعا إذ لا يمكن ان يقال إنهم يسمعون صفة اللّه تعالى القائمة بذاته ، وقوله في اليهود ( وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ ) يعنى التوراة وقوله في المخلفين من الاعراب ( يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ ) يعني وعده في القرآن فيما سبق في السورة ، إذ لا يمكن ان يقال إن هؤلاء يبدلون وأولئك يحرفون صفة اللّه تعالى وقد اغتر بهذه الفلسفة الكلامية الجماهير الكثيرون لصدورها عن بعض كبار النظار ، الذين ملأت شهرتهم الأقطار ، فاعجب الباحثون منهم بها ، وقلدهم الأكثرون فيها ، ورجع عنها أساطين المذهب بعد تمحيصها ومقابلتها بأقوال السلف المؤيدة بالنصوص . فأكثر المتكلمين المستقلين المخلصين رجعوا إلى مذهب السلف في أواخر أعمارهم ، ولكن بقي عامة الأشعرية متبعين لما قرروه لهم من قبل ذلك في كتبهم ، كدأب الجماعات في كل ما يتخذونه مذهبا لهم ، على أن الرجوع كان في الأغلب بالتدريج والمزج بين التفويض والتأويل ، فلم يشعر به الا الافراد من أهل الدليل وقد أعجبني من كلام هؤلاء النظار المنيبين قول الإمام أبي محمد عبد اللّه الجويني والد إمام الحرمين في رسالة له في نصيحة المسلمين عند رجوعه إلى مذهب السلف في هذه المسألة وأخواتها التي يتأولها أصحابه الأشاعرة لتصريحه ورده على شيوخه قال : « 1 » « انني كنت برهة من الدهر متحيرا في ثلاث مسائل : مسألة الصفات ومسألة الفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد ، وكنت متحيرا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها ، أو امرارها والوقوف فيها ، أو اثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل فأجد النصوص في كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ناطقة منبئة بحقائق هذه الصفات ، وكذلك في اثبات العلو والفوقية ، وكذلك في الحرف والصوت . ثم أجد المتأخرين من المتكلمين
--> ( 1 ) طبعت هذه الرسالة في مجموعة الرسائل ( المنيرية ) هذه الأيام فرأينا عبارتها جلية مؤيدة لما أجملناه في بحث الرؤية فأحببنا نقلها لحسن بيانها واحترام الجمهور لصاحبها