الشيخ محمد رشيد رضا
178
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومرتاضو الصوفية وأولو الكشف والالهام ، فلم تتفق طائفة من هؤلاء على قول فصل قطعي تقنع به بقية الطوائف بدليلها اللغوي أو الأصولي أو العقلي أو فهم النص النقلي أو تسليم إلهامها الكشفي ، ولكن من نظر في جميع ما قالوه نظر استقلال وانصاف يجزم بأن ما كان عليه عامة السلف من إثبات كل ما صح به النقل وتفويض تأويله الذي يكون عليه في الآخرة إلى اللّه عز وجل هو الحق الذي يطمئن به القلب ويؤيده العلم والعقل فهو الأسلم والاحكم والأعلم واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون ( خلاصة القول في مسألة الكلام الإلهي ) اضطرب المتكلمون في الكلام الإلهي كما اضطربوا في مسألة رؤيته تعالى واستوائه على عرشه وغيرهما من صفاته وشؤونه فذهب الذين بنوا قواعد عقائدهم على اقتضاء التنزيه للتأويل إلى أن الكلام من صفات الافعال كالخلق والرزق ( بالمعني المصدري ) ولهذا قالوا إن القرآن مخلوق ، والحق الذي كان عليه السلف الصالح أن كلام اللّه تعالى صفة من صفاته الذاتية كالعلم وهو مثله لا يقتضي التشبيه إذ من المعلوم بدليلي النقل والعقل أن الخالق لا يشبه المخلوق كما تقدم شرحه في مسألة الرؤية فلا نعيده والعهد به قريب ، وانما نكتب شيئا تقرب به المسألة من الافهام ، بعد تفنيد تقاليد علم الكلام ، فان أكثر متكلمي الأشعرية قد عقدوها تعقيدا شديدا بما حاولوا به التوفيق بين نصوص أئمة السنة ونظريات العقل بقولهم إن الكلام نفسي ولفظي فالأول صفة قديمة قائمة بذاته تعالي ، والثاني عبارة عن ذلك المعنى القائم بالذات تؤدى باللفظ الذي يحصل بالصوت والحروف التي تكتب بالقلم ، وكل من الحروف والأصوات والالفاظ التي تكيفها الأصوات حادثة مخلوقة قالوا وانما منع السلف من التصريح بذلك وأنكروا على من قالوا إن القرآن مخلوق لان القرآن يسمى كلام اللّه بمعنى دلالته على صفة اللّه القديمة فلهذا الاشتراك يخشى ان يفضي القول بخلق كلمات القرآن الملفوظة والمكتوبة إلى القول بأن كلام اللّه تعالى الذي هو صفته القديمة مخلوق وهذه فلسفة مردودة مخالفة لمذهب السلف كأمثالها من تأويل سائر الصفات ، وهي غير معقولة المعنى يصافان القرآن لا مدلول له إلا معاني مفرداته وجمله وهذه المعاني منها القديم وهي معاني أسماء اللّه تعالى وصفاته وسائرها حادثة