الشيخ محمد رشيد رضا
172
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قد أشار هذا العالم المحقق بهذه الجملة الوجيزة من كلامه الطويل في موضوعها إلى جملة ما ورد « في النور » من نصوص الكتاب والسنة فقد سمى اللّه تعالى نفسه نورا وورد النور في أسمائه الحسنى المأثورة وأسند النور إلى اسم الذات في قوله ( اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) وأسنده رسوله إلى وجهه تعالى بقوله « أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات » ومثله في آثار أخرى والجمهور يفسرون الوجه بالذات . وهذا نوع من استعمال النور غير إضافته اليه تعالى في قوله ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ) وقوله ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ) على أن نوره في الأخيرة كتابه ووحيه وكلامه الذي هو من صفاته ، والمراد به في الأظهر ما فيه آيات الهداية فهو كقوله ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ ) ومثله اطلاق اسم النور على النبي ( ص ) في قوله ( قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ) على وجه . وورد مثل هذا في كتب العهد الجديد عند النصارى مرويا عن المسيح عليه السّلام كقول يوحنا في رسالته الأولى « 1 : 5 وهذه هي البشرى التي سمعناها منه ونبشركم بها : أن الله نور وليس فيه ظلمة البتة » وأطلق النور على المسيح نفسه في مواضع من إنجيلي لوقا ويوحنا ومن المعلوم أن النور حسي ومعنوي فالأول يرى بالبصر ويري به البصر سائر المبصرات ، والثاني يدرك بالبصيرة وتدرك به البصيرة الحق والخير
--> - حتى صار الخلاف بينهم وبين غلاة النظر لفظيا . والباعث لهم على ذلك محاولة تطبيق النصوص على نظريات الفكر التي عدوا الكثير منها قطعيا وليس بقطعي ونحمد اللّه تعالى ان العلوم الكونية قد نقضت في هذا العصر أكثر تلك النظريات الفلسفية اليونانية وقربت نصوص الكتاب والسنة من الافهام ، ومما ثبت بها أخيرا ان هذه الكهربائية التي رأى البشر كثيرا من عجائبها هي الأصل في تكوين مادة العالم كله وأطوارها ، وهي نور أو مصدر النور والحركة التي يحدثها النور أو يحدثه وإذا كان الخالق الباريء المنزه عن نقص المخلوقات التي لا يكمل شيء منها الا به قد حجب عنها بالنور ، فلك أن تفهم أن الكهرباء وما جعلها اللّه أصلا له من تكوين العالم المادي هي الحجاب المانع من رؤية الرب تعالى فيه وان انكشاف هذا الحجاب لا يكون الا في الجنة ، وان انكشافه هو الذي يوصل أهلها إلى أعلى وأكمل درجات المعرفة به تعالى وهي الرؤية بغير كيف ولا ادراك ، وقد نصر العلم مذهب السلف ، على تأويلات الخلف ، وللّه الحمد