الشيخ محمد رشيد رضا
173
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والصلاح . وكذلك نور الآخرة قسمان حسي ومعنوي ، وأما نور اللّه تعالى الذي هو صفة من صفاته قد أضيف إلى وجهه وأسند إلى ذاته فهو فوق هذا وذاك لا يعرف كنهه سواه عز وجل ، وهو غير النور الذي هو حجابه المانع من رؤية ذاته وادراك كنهه ، ولا يكبرن عليك أيها الانسان المعجب بنفسك هذا العجز عن ادراك نور اللّه عز وجل فان هذا النور الحسي الذي تراه بعينيك لا تدرك حقيقته ولم يدركها أحد من أبناء جنسك إلى الآن ، ولم يستطع أحد أن يضع له تعريفا بحدد هذه الحقيقة . ولم يكن المتقدمون يعرفون منه إلا ما يرونه من نار الأرض ونيرات السماء ، ثم عرف المتأخرون هذه الكهرباء والراد يوم فدخل بذلك العلم والعمل في طور جديد إذا قيل إنه فوق طور العقل والفلسفة والعلم التي انتهى إليها البشر قبله لم يكن هذا القول مبالغة ، وقد كانت الصوفية تقول إن وراء مدارك عقول البشر علوما صحيحة منطبقة على حقائق خارجية لا محض نظريات فكرية ، فيقول مدعو الفلسفة والمنطق إن هذه خرافات خيالية ، قال ابن الفارض : فثم وراء العقل علم يدق عن * مدارك غايات العلوم الصحيحة فأي عقل كان يتصور أنه يمكن لشخص واحد أن يوقد مالا يحصى من المصابيح في دار أو مدينة كبيرة في طرفة عين وأن يطفئها في طرفة عين ؟ وأن هذه المصابيح توقد بلا زيت ولا نار ، وإنما تشتعل بتحريك هنة صغيرة بعيدة عنها ولكنها متصلة بها بسلك دقيق ، وأي عقل كان يتصور أن البشر يتخاطبون ويسمع بعضهم كلام بعض على بعد ألوف من الأميال ؟ وهذا بعض خواص هذه الكهرباء نعم إن علماء المسلمين قرروا ان أمثال هذه الأمور من الممكنات لا المستحيلات ، فورود نظائرها في أخبار الآخرة لا يقتضي ان في الدين شيئا يرده العقل الصحيح بالبرهان ، ولكن جماهير الكفار بالرسل لم تستطع عقولهم تصورها ولا التصديق بها - بل نرى ضعفاء العقل والعلم من المسلمين أنفسهم يظنون فيما نقلناه آنفا من كتاب الوابل الصيب أنه من المشكلات التي لا تتفق معهما إلا بضرب من التأويل - لأجل هذا علقنا عليه الحاشية الوجيزة المثبتة معه هنا عند طبع الكتاب في ( مجموعة الحديث النجدية ) ليعلموا أن منتهى ما وصل اليه علماء الكون يؤيد مذهب السلف فيها وفي أمثالها ، ويبطل قاعدة المتأولة في جعل نظريات أفكارهم ومألوفات عقولهم وقضايا معلوماتهم الكلامية القليلة