الشيخ محمد رشيد رضا
171
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك ، أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ؛ ولا حول ولا قوة الا بك » وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السماوات من وجهه . وفي بعض ألفاظ هذا الأثر : نور السماوات من نور وجهه ، ذكر عثمان الدارمي وقد قال تعالى ( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ) فإذا جاء تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض وليس اشراقها لشمس ولا قمر فان الشمس تكور ، والقمر يخسف ويذهب نورهما ، وحجابه تبارك وتعالى النور . قال أبو موسى : قام فينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخمس كلمات فقال : « ان اللّه لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع اليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه » ثم قرأ ( أن بورك من في النار ومن حولها ) فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ولولاه لأحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى اليه بصره « ولهذا لما تجلى تبارك وتعالى للجبل وكشف من الحجاب شيئا يسيرا ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ولم يقم لربه تبارك وتعالى . وهذا معنى قول ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) قال ذلك اللّه عز وجل إذا تجلى بنوره لم يقم له شئ . وهذا من بديع فهمه رضى اللّه عنه ودقيق فطنته ، كيف وقد دعا رسول اللّه صلّى اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يعلمه اللّه التأويل ، فالرب تبارك وتعالى يرى يوم القيامة بالابصار عيانا ، ولكن يستحيل إدراك الابصار له ، وان رأته فالادراك أمر وراء الرؤية ، وهذه الشمس وللّه المثل الاعلى نراها ولا ندركها كما هي عليه ولا قريبا من ذلك ، ولذلك قال ابن عباس لمن سأله عن الرؤية وأورد عليه ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) فقال ألست ترى السماء ؟ قال بلى قال أفتدركها ؟ قال لا . قال فاللّه تعالى أعظم وأجل » اه « 1 »
--> ( 1 ) كان أهل النظر المشتغلون بالفلسفة اليونانية يتأولون جميع الآيات والأحاديث الواردة في صفات الرب تعالى وينكرون على علماء الأثر الاخذ بظواهرها مع التنزيه والتفويض حتى أن الأشعرية الذين أرادوا أن يكونوا وسطا بين غلاة النظار من الجهمية وغيرهم وبين أهل الحديث كالحنابلة قد بالغ بعضهم في التأويل