الشيخ محمد رشيد رضا

167

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أهل السنة وكذا المعتدلون من أهل الحقائق فترى ابا حامد الغزالي من علمائهم قد فسر الرؤية بما ينطبق على مذهب الأشعري . وشأن سائر مقلدتهم كشأن سائر المقلدين للمذاهب الأخرى واما صوفية الحقائق المستقلون فجمهور أهل الوحدة منهم يدخلونها في مسائل الوحدة ، فغلاة وحدة الوجود ليس عندهم الا وجود واحد له مظاهر ومجالي فهم يثبتون الرؤية بهذا الاعتبار والا فالرائي والمرئى واحد عندهم ، يعفون أن الرب عين العبد والعبد عين الرب فاللّه تعالى يرى نفسه بما يتجلى فيه من صور عبيده أو ما شاء من خلقه ، وهذا تناقض وهذيان بديهي البطلان ، وحسبنا ما ننشره في النار من ابطاله وتناقضه لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى واما أصحاب وحدة الشهود منهم فمذهبهم ان الرب تعالى يتجلى لعبده المؤمن في الدنيا تجليا غير كامر وفي الآخرة تجليا كاملا ، فيفنى العبد بهذا التجلي عن نفسه وعن كل ما سوى ربه فلا يرى غيره ، وهو يراه بكل روحه المدركة لا بعينيه فقط ومن كلام ابن الفارض فيه * إذا ما بدت ليلى فكلي أعين * فان الرؤية بآلة الباصرة انما تكون للأرواح المحبوسة في هياكل الأجساد المقيدة بسنن اللّه فيها كما تقدم آنفا ، فهي كالمحبوس في سجن له نوافذ وكوى قليلة يرى منها بعض ما يحاذيها دون غيره مما وراء السجن وهم يثبتون تجليه تعالى في الصور المختلفة ولا يرون ذلك محالا يجب تأويله بل يبقون الأحاديث في ذلك على ظاهرها كجمهور السلف ولكل من هؤلاء وأولئك أقوال وشواهد مشتركة يشتبه معها بعضهم ببعض فيعسر التنزييل بينهم ، ومنها استشهادهم بالحديث القدسي الذي اخرجه البخاري في صحيحه فانتقد عليه لعلة في سنده وذكره « 1 » النووي في الأربعين ومحل الشاهد منه « ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها » ومعناه الذي يتفق مع أسلوب اللغة وقواعد الشرع : كنت متعلق سمعه وبصره وسائر جوارحه اي فلا توجه ارادته هذه الجوارح الا إلى ما يعلم أنه يرضي ربه ولا ينسى مراقبته في اعمالها ، وكل من القائلين بوحدة الوجود ووحدة الشهود يستدل به على مذهبه . ومن شعرهم في ذلك :

--> ( 1 ) رواه عن خالد بن مخلد الكوفي وهو من شيوخه وقد وثقه بعضهم وقال احمد له مناكير وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به .