الشيخ محمد رشيد رضا
166
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
البسائط التي تتألف منها المركبات محدودة تعد بالعشرات وصار في قدرة البشر أن يحللوا المركب ويفرقوا بسائطه بعضها من بعض بصناعة الكيمياء وآلاتها ، وأن يحولوا الجوامد من صفتها فيجعلوها غازات ، وأن يجعلوا من الغازات ومن السائلات جوامد ، وهم يتخذون منها أغذية وأدوية وسمو ما قاتلة بل استخرجوا من ماء البحر الملح ذهبا ابريزا هذه الاعمال التي صارت من صنائع البشر تقرب من العقل والعلم ما صح عن الرسل المعصومين من أن الملائكة وغيرهم من الجن يتشكاون في صور كثيفة ترى بالابصار وبصور لا ترى بالابصار ، أي أن اللّه تعالى أعطى أرواحهم قوة يتصرفون بها في مادة الكون وفي أنفسهم بأعظم من تصرف علماء الكيمياء في نفسه ، ولكنه من جنسه ، فقد أعطى اللّه تعالى الواحد منهم قدرة على تأليف جسم لروحه من هذه المادة إذا شاء ، وحله وتفريقه متى شاء ، وقد وضحنا هذا التقريب من قبل وغرضنا من التذكير به هنا ايضاح مسألة تجلي الرب سبحانه تعالى في الصور أو من وراء الحجب وكون رؤيته لا تقتضي تشبيهه بخلقه كما زعم من لم يعلموا من أنواع الادراك والمدركات المخلوقة ما يقتضي تشبيه بعضها ببعض وقد قال تعالى ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) ( 8 ) مذاهب الصوفية في الرؤية الصوفية فرقة من فرق المسلمين المختلفين في الأصول وهم لا يقلدون اماما واحدا في الفروع بل منهم المجتهدون فيها ومنهم المقلدون لأهل المذاهب المشهورة ويكثر فيهم الشافعية كما أن أكثر المعتزلة والمرجئة من الحنفية . وقد غفل من لم يعدهم من الفرق الثلاث والسبعين . وانما الكلام فيمن يسمون صوفية الحقائق ، وهم أقرب إلى الفلاسفة الروحيين الاشراقيين وإلى قدماء الشيعة منهم إلى أهل السنة والأثر وجمهورهم يجلون الصحابة ولا سيما الخلفاء الراشدين وعلماء السلف ولا سيما العباد منهم . ومنهم المعتدلون وأهل الحديث كشيخ الاسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين ، ومنهم الغلاة الذين مرق بعضهم من الاسلام بنزغات الباطنية وزيغهم وهم غلاة الرافضة من الإسماعيلية إلى البهائية وزعماؤهم من الفرس ، ومنهم البكتاشية وقد راجت دعوتهم في بلاد الترك والألبان ويقابلهم صوفية الاخلاق وأهل السنة منهم يقولون في الرؤية ما يقوله سائر