الشيخ محمد رشيد رضا
165
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القول في الفرق بينهما في تفسير سورة الأنعام « 1 » ( 7 ) أنواع المدركات وعناصر الكون وأحوالها إن مدركات البشر الحسية والعقلية لا تتعلق في حال هذه الحياة الدنيا بكل ما في هذا الكون من أنواع الموجودات بل هناك حجج من الوحي والعقل والعلم تدل على ضد ذلك - أما الوحي فقد ثبت فيه أن العالم قسمان أو أن الكون قسمان : عالم الغيب وعالم الشهادة - وأما العقل فمن أحكامه أن عدم العلم بالشيء لا يقتضي عدم وجوده وان من الجائز أن يكون في الكون موجودات كثيرة لا ندركها ولا تشعر بها حواسنا ومشاعرنا لعدم استعدادها لادراكها البتة كما أن بعضها لا يدرك ما يدركه الا آخر من الهيئات والألوان والطعوم والروائح مثلا - وإما لضعف الحاسة فينا عن إدراك ما هو من متعلقها لفقد بعض شروط ادراكه ، وقد دل العقل على أن الوجود الممكن الذي نعرفه في الجملة يدل على الوجود الواجب الذي لم ندركه بحواسنا ولم تدرك كنهه عقولنا ، بل دل على وجود آخر من الممكنات وهو ما يسميه علماء الكون بالأثير وأما العلم - علم التجربة والبحث العملي في الوجود - فقد أثبت وجود أحياء كثيرة الأنواع ذات تأثير عظيم في حياة الاحياء من نفع وضر ترى بالمرايا المكبرة دون البصر المجرد وان فيه مواد أخرى لطيفة هي من أصول عناصره التي لم يتم تكوينه إلا بها ، وهي لا تدرك بالحواس ولا بالعقل باديء بدء وانما عرفت بأعمال التحليل والتركيب وآلاتها وستحدمت لكثير من المنافع والمضار ، وهي كالعناصر التي يتركب منها الماء والهواء وقد ثبت بالتجارب العملية ما صار العلم به قطعيا يدخل في باب الحسيات من أن الجسم الجامد يتحول بالحرارة إلى مائع كما يكون الجليد والثلج ماء ، وان المائع يتحول بها إلى بخار وهو ما نشاهده كالدخان اللطيف يخرج من الماء عند تسخينه ومن كل مائع فيه ماء ، وان هذا البخار المائي وغيره يتحول بشدة الحرارة إلى مادة لا ترى كالهواء ويسمونها غازا ، وان الأجسام الجامدة كالذهب والقصدير والمائعة كالماء والغازية كالهواء منها البسيط ومنها المركب ، وان
--> ( 1 ) راجع ص 421 وكذا 315 قبله ج 7 تفسير