الشيخ محمد رشيد رضا
164
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من الشواهد أن النبي ( ص ) كان يرى من وراءه كما يرى من أمامه وهي رؤية روحية غير مقيدة ببصر العينين ولا بالمقابلة وثبت نحو من هذا لبعض المكاشفين بالروايات التي وصلت إلى درجة التواتر ، ومن هذه المكاشفة ما يقع في حال الصحة بقوة توجيه الإرادة إلى الشيء أو فجائيا بغير قصد ، كما وقع لمؤلف هذا التفسير في صغره فقد رأى جدته لأمه وهو مضطجع مسجي في بستان لها تمشي في الطريق جائية اليه حتى إذا ما رآها قد وصلت إلى مدخل البستان من الطريق العام ناداها فأجابته ، ويبعد ان يكون هذا تخيلا صادف الواقع ، وله أمثال ونظائر لولاها لتعين القول بذلك - وقد وقع لنا منه مع بعض الناس ما كنا نحمله على المصادفة لئلا يقيسوا عليه دجل المحتالين ولئلا نقع في الغرور ، ولكن مجموع ما نقله انثقات منه لا يحتمل التأويل . ومنه ما يقع في النفس بغير رؤية ولا تخيل وان كان فيما من شأنه ان يرى ، وليس مما نحن فيه وقد يقع في أحوال مرضية كالمريض الذي كان يعالجه الطبيب شبلي شميل بمصر وكان يخبر بأشياء غائبة وبأمور قبل وقوعها فيصدق بالضبط الدقيق ، ومن الأول انه أخبر بأن قريبا له قد خرج من داره بالإسكندرية يريد السفر إلى مصر لزيارته ثم أخبر انه رآه قد وصل إلى محطة الإسكندرية ودخل القطار وبعد مضي ثلاث ساعات وكسور أخبر انه نزل من القطار في محطة القاهرة وخرج منها وركب مركبة لتحمله إلى الدار التي هو فيها ، ثم أخبر انه وصل إلى الدار - وإذا به قد دخل . وكان الطبيب شبلي بنكر مثل هذا وينكر وجود أرواح مستقلة بالوجود تلابس الأجساد وتفارقها مدركة بالذات ، أي غير مقيدة في ادراكها بوجودها في الجسد واكتسابها العلم من حواسه وعصب دماغه ، وقد صار بعد هذه الواقعة التي كتبها بقلمه ، وسمعناها من فمه ، يشبه دماغ الانسان بالآلة الكهربائية للتلغراف اللاسكى التي تتلقف من كهرباء الجو ما يرسله هذا التلغراف من أخبار السفن أو البلاد البعيدة ، ولكن كان من أخبار مريضه به أنه سيرعف أنفه في ساعة كذا من نهار غد ويخرج من دمه ما يبلغ وزنه كذا - فكان كما قال ، وهذا اخبار عن الشيء قبل وقوعه لا يتناوله التشبيه الذي ذكره ، وهو من الغيب الإضافي الذي خلق اللّه الأرواح كلها مستعدة لادراكه قبل وقوعه لولا ما يشغلها عنه من مدارك الحواس والعقول وهموم الحياة - لا من الغيب الحقيقي الذي استأثر اللّه تعالى بعلمه ، وقد فصلنا