الشيخ محمد رشيد رضا
163
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القرآن وغيره من كتب الوحي . وقد صح أن النبي ( ص ) لم ير جبريل ملك الوحي في صورته التي خلقه اللّه تعالى عليها إلا مرتين ، وقد علم بالقطع أنه رآه في الصور التي كان يتشكل فيها مرارا تعد بالمئين أو أكثر ، وليست محصورة في عدد نزوله بآيات القرآن وسوره ، وقد كان من تلك الصور صورة دحية الكلبي رضي اللّه عنه ، ومنها صورة الرجل الغريب الذي سأل النبي ( عليهما السّلام ) عن الاسلام والايمان الخ وهذا النوع من الصور الكثيفة رآه فيه من حضر مجيئه من الصحابة ( ص ) ومنها صور لطيفة لم يكن يراه فيها غير النبي ( ص ) وقوله في حديث الوحي الذي رواه الشيخان : « وأحيانا يتمثل لي الملك فيكلمنى فأعي ما يقول » يشمل النوعين ، وورد أنه ( ص ) مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط فرآهما ولم يرهما غيره ، ومعنى هذا ان اللّه تعالى أراه مثالا لهما وهذا غير تمثل الملك له بإرادته وعمله وقد رأى ( ص ) غير جبريل من الملائكة ورأى بعض الشياطين أيضا متمثلة في صور ، وكان يعبر عن ذلك بالرؤية . فثبت بهذا أن الرؤية للشيء لا تقتضي رؤية حقيقته في الواقع ونفس الامر وان كان مخلوقا له جنس ينقسم إلى أنواع تحتها أصناف ، وشخوص لها أمثال فإذا كان المخلوق يرى مخلوقا مثله رؤية لا يدرك بها كنهه ولا يحيط بحقيقته ولا يشاركه فيها كل من له عينان مثله - وهذا مما يؤمن به المعتزلة والشيعة والأباضية كغيرهم - فهل يستنكر أن تكون رؤية الرب الذي ليس كمثله شيء بلا كيف ولا مثال وعلى غير المعهود في رؤية بعضنا لبعض كما استنكر هؤلاء الذين قال شاعرهم : قد شبهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفه أم يصح مع هذا أن يصرّ بعض أهل السنة على تقييد رؤيته تعالى بالابصار وأعين الرؤوس واستنكار تسميتها رؤية روحية مع الاتفاق بينهم على أن الادراك بجميع أنواعه للنفس لا للجسد ، كما نرى توضيحه في المسألة التالية ( 6 ) الكشف وكون الادراك للنفس ان العلم والادراك في الحقيقة للروح وان الحواس والدماغ آلات حسية للعلم ببعض الحسيات بحسب سنن هذه الحياة الدنيا وقد ثبت بما تقدم