الشيخ محمد رشيد رضا

159

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقاعدة التفويض التي جرى عليها السلف ، فهذا هو الذي يحول دون اتباع المتشابه إلا لمن في قلبه زيغ كما نص في آية المحكم والمتشابه من أول سورة آل عمران . وهذا يؤيد قولنا إن الإمام أحمد لم يكفر منكري الرؤية إلا لأنه كان يعتقد أن الحامل لهم على الانكار هو الزيغ والزندقة ثم قال الحافظ : وممن كره التحديث ببعض دون بعض احمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ومالك في أحاديث الصفات وأبو يوسف في الغرائب ، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في الجرابين وان المراد ( اي بالثاني ) ما يقع من الفتن « 1 » ونحوه عن حذيفة وعن الحسن انه انكر تحديث انس للحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي . وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره بقي الأصل غير مراد فالامساك عنه عند من يخشى عليه الاخذ بظاهره بمطلوب واللّه اعلم اه « 2 »

--> ( 1 ) أي حديث جرابي العلم اللذين حفظهما عن النبي ( ص ) فبث أحدهما ولو بث الآخر لقطع بلعومه ( 2 ) حاشية . ومن ذلك ما ذكره بعض علماء الشام لجمال باشا السفاك من جزاء البغاة الخارجين على امام المسلمين وجماعتهم فاتخذه حجة لدى العامة على صلب من صلبهم بغير حق من نابغي البلاد ، ولم يكن هو منفذا لامر سلطانه الذي لم يكن من أئمة الحق بل لم يكن له من السلطة شيء إذ جمال باشا وجمعيته كانوا هم الخارجين عليه وكذلك كان يفعل أمير مكة حسين منذ سمي ملكا في الحجاز : يقطع الأيدي والأرجل ممن يخالف سياسته ولو بذنب معتاد أو بغير ذنب شرعي حتى روي أن رجلا فر من سجنه الذي هو أقبح مظاهر الظلم والقسوة فأمر بقطع يده ورجله من خلاف وان رجلا آخر أنكر في حرم المدينة المنورة اطراء الخطيب له في الخطبة بما هو كذب وزور فأمر به فقطع وصلب ووضع على صدره لوح كتب فيه ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ) الآية وكان هذا قبل جهره بدعوى الخلافة ، فلو أقره العالم الاسلامي على هذه الدعوى بإجازة تلك البيعة الباطلة من بعض أولي العصبية -