الشيخ محمد رشيد رضا
154
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى ( لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ) وقوله ( وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ) ويعارض هذا الاستدلال انه ليس نصا في النفي حتى يرجح على الأحاديث الصريحة في الرؤية وقد قال بها بعض علماء الصحابة . وقال بعض العلماء ان عائشة ليست أعلم عندنا من ابن عباس الذي أثبت الرؤية للنبي ليلة المعراج . وفي هذا القول بحث فان ابن عباس استنبط اثبات الرؤية في الدنيا من الآيات وقد انفرد بذلك دون سائر الصحابة . وأما من روي عنهما إثبات الرؤية في الآخرة فليس فيهم أحد يقال إنه أعلم من عائشة الا والدها الصديق وعلى المرتضى وزيد ابن ثابت وقد يذكر في طبقتها منهم العبادلة . ولكن الحديث عن أبي بكر وزيد ابن ثابت في هذا الباب ضعيف وعن علي موضوع حتى أن ما روي عنها نفسها فيه أقوى سندا . ويقول النفاة لو رأى النبي ( ص ) ربه ليلة المعراج لما خفي نبأ ذلك عن عائشة مع ما علم من حرصها على العلم ، وسؤالها إياه عن آية النجم ؟ وقد يقول النفاة أيضا : لو كانت الرؤية في الآخرة عقيدة يطالب المسلمون بالايمان بها لما جهلتها عائشة . ولكن هذا القول لا ينهض لمعارضة اثبات المثبتين لها بالأحاديث الصريحة ، وانما قصاراه أن يعد دليلا على أن المسألة من أمور الآخرة التي كان يذكرها النبي ( ص ) أحيانا لبعض الخواص إذ لا يضر العامة جهلها ، فلم يقصد أن تكون عقيدة يدعى إليها مع التوحيد . وأحسن ما يجاب به عن استنباط عائشة وأقواه عند المثبتين أن يقال إنها تريد به نفي الرؤية في الدنيا كما قال بذلك الجمهور ولا تقاس شؤون البشر في الآخرة على شؤونهم في الدنيا لان لذلك العالم سننا ونواميس تخالف سنن هذا العالم ونواميسه حتى في الأمور المادية كالأكل والشرب والمأكول والمشروب فماء الجنة غير آسن فلا يتغير كماء الدنيا بما يخالطه أو يجاوره في مقره أوجوه ، وخمرها ليس فيها غول يغتال العقل ولا يصدّعون عنها ولا ينزفون ، ولبنها لا يعتريه فساد ، ولا نخالطه جنة ( ميكروبات ) أمراض ، وكذلك فاكهتها وثمراتها هي على كونها أعلى وأشهى مما في الدنيا لا تفسد . قال ابن عباس : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة الا الأسماء . وكذلك أمزجة أهلها ، هي أصح وأسلم من أمزجة أهل الدنيا حتى إنهم يأكلون