الشيخ محمد رشيد رضا

155

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويشربون فيكون هضمهم بالتبخر ورشح العرق ، ففي الحديث الصحيح أنه جشاء ورشح لهما ريح المسك . ولا عجب في ذلك فان علماء العصر الذين يظنون أن في كوكب المريخ أحياء عقلاء كالبشر يجزمون بأنهم لا بد أن يكونوا أكبر منا أجساما وأسرع من الخيل العادية في حركتهم العاديّة ، هذا وعالم المريخ لا يعرف فيه من الحياة الروحانية العالية مثل ما ورد في حياة الجنة ، ولكن ما ذكره علماء العصر في شأنه يقرب تصور ما ورد في صفة الآخرة من الأذهان المقيدة بالمألوفات ، فان بعض الناس انما ينكرون أخبار الآخرة لأنها مخالفة لما جمدوا عليه من المألوفات ، ولو أنهم أخبروا بما اكتشف من أسرار الكون في هذا العصر كخواص الكهرباء والراديوم قبل أن يصير مشهودا مقطوعا به لما صدقوه قال اللّه عز وجل في بيان جزاء المؤمنين القائمين بأعمال الايمان حق القيام ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ووضح ذلك رسوله ( ص ) في حديث قدسي رواه الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة قال ( ص ) « قال اللّه عز وجل : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » وروى أهل الكتاب مثل هذا عن سيدنا عيسى ( ص ) فإذا ثبت لنا أن كل ما ورد في دار الكرامة أعلى وأسمى مما في الدنيا حتى الأجسام وصفات الناس وغرائزهم وانه لا يشارك ما في الدنيا الا بالاسم ، الذي عبر عنه به لضرورة تقريب تلك المعاني الغيبية من الفهم ، فهل يصح بعد ذلك ان نعمد إلى أعلى ما هنالك من الشؤون الإلهية المعنوية فنشبهه بشؤون الدنيا ؟ فنجعل تجلي الرب سبحانه وتعالى لأولئك العباد المكرمين الذين رقاهم وكملهم وأهلهم لكمال معرفته تحيزا ومشابهة للخلق ؟ ونجعل ما يحصل لهم من ذلك التجلي من العلم الأكمل والمعرفة العليا التي تستغرق أرواحهم وجميع مشاعرهم الظاهرة والباطنة إدراكا لكنه الرب عز وجل وإحاطة علم به - تعالى عن ذلك - ثم نعذر أنفسنا على هذا الجهل بأن ذلك قدسي رؤية ومعاينة ولا بد أن تكون الرؤية هنالك كرؤيتنا التي نعهدها هنا ؟ سبحان اللّه ! أيكون كل ما هنالك من أعيان المخلوقات وصفاتها وأحوالها