الشيخ محمد رشيد رضا

144

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيها قال : فما تنتظرون ؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد ، قالوا : يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ، فيقول : أنا ربكم . فيقولون نعوذ باللّه منك لا نشرك باللّه شيئا - مرتين أو ثلاثا - حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب . فيقول : هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ فيقولون نعم ، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه الا اذن اللّه له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء الا جعل اللّه ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ، ثم يرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فقال انا ربكم ، فيقولون أنت ربنا » الحديث وفيه ألفاظ أخرى في الصورة ، ستأتي في آخر الكلام عليه وهذا لفظ مسلم أيضا ويخالفه لفظ البخاري في بعض التعبير ورواهما غيرهما بألفاظ توافق كلا منهما وتخالفه بتعبير أو زيادة أو نقصان والمعنى العام واحد ، فمن أمثلة اختلاف اللفظ رواية « فيكشف عن ساقه » وهي لا تعارض رواية « فيكشف عن ساق » الموافقة للفظ القرآن ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) ولكن تنكير الساق واسناد كشفه إلى المفعول أوسع مجالا للتأويل من اضافته إلى الرب تعالى واسناده كشفه اليه فهو كالتشمير عن الساعد مثلان في كلام العرب للجد والاهتمام وشدة الخطب ، وسبب الأول أن من يريد الفرار من شيء مخوف يكشف عن ساقه ليسهل عليه العدو السريع فلا يتعثر بثوبه وسبب الثاني أن من يريد أن يعمل عملا باتقان وسرعة يشمر عن ذراعيه حتى لا يعوقه كماه ، وفي مجاز الأساس قامت الحرب على ساقها ، وكشف الامر عن ساقه . قال : عجبت من نفسي ومن اشفاقها * ومن طرادي الطير عن أرزاقها في سنة قد كشفت عن ساقها اه أقول فخرج بعضهم عبارة الحديث على هذا الاستعمال بمعنى أن أمر امتحان اللّه تعالى للناس والتنزييل بين المؤمنين والمنافقين ينتهي إلى آخر حده بتيسيره جلت حكمته السجود للمؤمنين دون المنافقين . وذهب بعضهم إلى أن لفظ الساق ورد بمعنى الذات والنفس واستشهدوا له بقول أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه في حرب الشراة لا بد من قتالهم ولو تلفت ساقي . قالوا أي نفسي وعليه يصح أن يكون كشف الساق في الآية والحديث عبارة عن كشف