الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لها في « كتاب الموقعين » للمحقق ابن القيم و - ثانيا - بان اللّه تعالى يكلفهم أن لا يجعلوا ما ليس قطعي الدلالة سببا للتفرق والتعادي وتأليف الأحزاب والشيع التي يلقن أتباع كل منها فهم رجل أو رجال يسمونه مذهبهم ويتعلمون معه الرد على مخالفيهم وتفسيقهم أو تكفيرهم ، وبهذا كان الاختلاف ضارا ومفسدا على المسلمين ومن كان قبلهم من أهل الملل أمور دينهم ودنياهم ، وهو المراد بقوله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) الآية ولولاه لما كان أولئك العلماء الأعلام من المعتزلة والأشعرية يتنابزون بالألقاب ، ويتبارون بالسباب ، ويتهاجون بالاشعار ، كقول الزمخشري المعتزلي بعد تفسيره لاية الأعراف التي نحن بصدد تفسيرها : ثم تعجب من المتسمين بالاسلام ، المتسمين بأهل السنة والجماعة ، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ؟ ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة ، فإنه من منصوبات أشياخهم - يعني بالبلكفة قولهم انه تعالى يرى بلا كيف أي إن رؤيته ليست كرؤية أهل الدنيا بعضهم لبعض فيما يلزمها من كون المرئي جسما كثيفا تحيط به أشعة البصر - ثم قال والقول ما قال بعض العدلية فيهم : وجماعة سموا هواهم سنة * لجماعة حمر لعمري موكفة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفة يعني بالعدلية جماعته المعتزلة فإنهم سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد فانظر إلى جعله اثبات الرؤية الثابتة في الأحاديث المتفق على صحتها منافيا للاتسام بالاسلام والتسمي بأهل السنة ، وهو يعلم أنهم ينفون التشبيه في الرؤية بالتصريح كما ينفيه هو ، فلو لا تعصب المذهب لما ألزمهم إياه بدلالة اللزوم الضعيفة التي قالوا فيها « لازم المذهب ليس بمذهب » قيل مطلقا وقيل فيما لم يدل الدليل على التزام صاحب المذهب له ، واما ما صرح بنفيه فلا وجه لاسناده اليه البتة ، ومن نسبه اليه وذمه به كان ظلوما جهولا ولو أن الزمخشري وشاعر العدلية لم يقولا ما قالا من الطعن والهجو في أهل السنة بأن اكتفى الزمخشري في تأويل أحاديث الرؤية بما أولها به من كون الرؤية فيها عبارة عن كمال المعرفة الجلية لما جوزيا على ذلك بمثل ذنبهما أو أكثر كما قال أحمد بن المنير الإسكندري في ( الانتصاف ) حاشيته على الكشاف : وجماعة كفروا برؤية ربهم * حقا ووعد اللّه ما لن يخلفه