الشيخ محمد رشيد رضا
131
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وتلقبوا عدلية قلنا أجل * عدلوا بربهم فحسبهم سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم * إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه وللشيخ تاج الدين السبكي صاحب جمع الجوامع وغيره مثل هذا الشعر المحزن ، والباديء بالشر أظلم ، وهؤلاء الذين هجوا عدلية المعتزلة بمثل ما هجا به شاعرهم أهل السنة كافة هم من الأشعرية الذين يقولون مثلهم بالتأويل ، ويشنعون على اخوانهم من الحنابلة وغيرهم من السلفيين في بعض مسائل التفويض ، كالنصوص في علو اللّه تعالى خلقه ، واستوائه على عرشه ، التي اتبعوا فيها اجماع السلف أو جمهورهم الأعظم في امرارها كما جاءت مع تنزيه الرب تعالى عن مشابهة الخلق والتحيز والحد والحلول ، لان أصل عقيدتهم أنه تعالى مباين لخلقه بذاته وصفاته ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) بل أول الإمام أحمد بن حنبل نفسه نصوص المعية كقوله تعالى ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) فخصه بالعلم فالحق الواقع أن المختلفين في فهم النصوص من المسلمين الصادقين يؤمنون بها ويعظمونها ولكن غلب على قوم ترجيح جانب التنزيه حتى انتهى ببعضهم إلى التعطيل ، وجعل صفات الرب تعالى سلبية بضروب من التأويل ، وغلب على قوم جانب الاخذ بالظاهر في ذلك حتى وقع بعضهم في التشبيه فعلا ، كأن الكتاب والسنة خلو من المجاز والكناية في ذلك مع العلم بأن ما عدا اسم الجلالة من ألفاظ اللغة قد وضع قبل نزول القرآن للتعبير به عن المخلوقات وشؤونها ، فالفريقان أرادا تعظيم الرب تعالى وسدّ ذريعة القول في ذاته وصفاته بغير الحق الذي يرضيه ، هؤلاء خافوا التعطيل برد شيء من النصوص أو تحكم الأهواء في تأويلها - وأولئك خافوا الوقوع في تشبيه الرب سبحانه بخلقه ، وسد ذريعة ما يعد نقصا في حقه ، فالنية كانت حسنة من الجانبين كما قال شيخنا الشيخ حسين الجسر الطرابلسي رحمه اللّه تعالى في درسه عند قراءة شرحي السنوسية والجوهرة ولكن الذين ضلوا بالتأويل والتعطيل كثيرون حتى خرجت به عدة فرق من الملة بعضهم باطنا وظاهرا وبعضهم باطنا لا ظاهرا كالباطنية الذين تركوا أركان الاسلام ، من صلاة وزكاة وحج وصيام ، زاعمين أن لها معاني غير ما عمل به النبي ( ص ) وأصحابه وأجمع عليه المسلمون ، وكغلاة الصوفية الذين ذهبوا في التأويل إلى ما وراء طور العقل والنقل وأساليب اللغة ، فادعوا أنهم يرون للّه تعالى عيانا في جميع الصور ، ويتلقون عنه كالأنبياء ، وأن فيهم من هم