الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التوحيد المؤيدة بتلك الآيات ، فزعم أن الاحتجاج به خطابي ، لا برهان عقلي ، واعتذر عن عدم إحتجاج موسى ببرهان التمانع بأنهم من العوام ، وهو لا ينكر أن تلك المعجزات من البراهين القطعية ، وان اختلف المتكلمون في دلالتها هل هي عقلية أو وضعية ، . . وغفل أيضا عن كون برهان التمانع انما يحتج به على المشركين في الربوبية دون العبادة فقط . وقد تعقبه في هذا الآلوسي فقال : وفي إقامة برهان التمانع على الوثنية القائلين ( ما نعبدهم الا ليقربونا إلى اللّه زلفى ) والمجيبين إذا سئلوا : من خلق السماوات والأرض ؟ يخلقهن اللّه - خفاء ، والظاهر اقامته على الثنوية كما لا يخفى اه ووجهه أن الثنوية يقولون بوجود ربين الهين اشتركا في خلق العالم وتدبير أمره أحدهما رب النور والخير ، والثاني رب الظلمة والشر ، ويحتج عليهم بأنه لو كان في العالم خالقان مدبران أو أكثر لامتنع ان يوجد فيه نظام يصلح به امره إذا فرض جواز وجوده ، لان تعدد المدبرين لامر الشيء كتعدد الخالقين يقتضي تعدد العلم والإرادة والقدرة التي يكون بها التدبير ، والخلق والتقدير ، وتعددها يقتضي التغاير والاختلاف فيها والا فلا تعدد ، وهذا الاختلاف يقتضي التعارض في متعلقاتها بأن يتعلق بعضها بغير ما تعلق به الآخر من ضد ونقيض ، وأي فساد في النظام وموجب للاختلال أشد من هذا ؟ وانما قلنا إذا جاز وجوده لان الإشارة إلى البرهان في قوله تعالى ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) قد بني على أن السماوات والأرض موجودتان والنظام فيهما مشاهد بالابصار والبصائر ، وكما يمتنع استقامة النظام وصلاح التدبير الصادر عن علوم وإرادات وقدر مختلفة متعارضة ، كذلك يمتنع صدور الكون نفسه عنها بالأولى وفي الآية التي قبل الأخيرة من نكت البلاغة انه أعيد لفظ « قال » في أولها لما أشرنا اليه من أن هذا جواب مستقل لا يشترك مع ما قبله فيعطف عليه ، ولا هو معه من قبيل سرد الصفات أو الاعداد التي يطلب فيها الفصل ، اي كقوله تعالى ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) الخ وقولهم : الأول كذا - الثاني كذا الخ فلم يبق الا إعادة « قال » لامتناع الفصل والوصل كليهما بدونها ، وأن تكون « قال » مفصولة لا معطوفة لإفادة هذا الاستقلال في الجواب ، إذ لا فرق بين عطف القول وعطف الجملة الاستفهامية بدونه في أن كلا منهما يقتضي الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه كما