الشيخ محمد رشيد رضا
107
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الطب والتشريح . . . . فلا يحظر منها ما ليس عبادة ولا تشبها بعبدة الأصنام بدليل ما ثبت في السنة الصحيحة من أمر النبي ( ص ) يهتك القرام ( الستار ) الذي نصبته ( عائشة ) في حجرتها إذ كان على هيئة الصور والتماثيل المعبودة فلما جعلت منه وسادة كان صلّى اللّه عليه وسلّم يستعملها وفيها الصور إذ كان الاتكاء والنوم عليها امتهانا لا تعظيما ولا يشبه التعظيم الوثني وقد حققنا هذا البحث ببيان ما ورد فيه من الأحاديث والآثار وأقوال العلماء في فتاوي المنار مرارا عود إلى تفسير الآية معنى النظم الكريم : « وجاوزنا ببني إسرائيل البحر » انهم تجاوزوه بعنايته سبحانه وتأييده إياهم بفلق البحر ، وتيسير الامر ، حتى كأنه كان معهم بذاته فجاوزه مصاحبا لهم ، أو المعنى اننا أيدناهم ببعض ملائكتنا ، فجاوز بهم البحر بأمرنا ، فمن المعهود في اللغة أن ينسب إلى الملوك ورؤساء القواد ما ينفذه بعض اتباعهم بأمرهم ، وما يقع بجاههم وقوة سلطانهم ، ويجوز الجمع بين المعنيين . ففرق البحر بهم كان بعناية اللّه وقدرته . وفي آخر الفصل الثالث عشر من سفر الخروج ذكر خبر ارتحال بني إسرائيل وقال « 20 وكان الرب يسير امامهم نهارا في عمود من غمام ليهديهم الطريق وليلا في عمود من نار ليضيء لهم ليسيروا نهارا وليلا ( 21 ) لم يبرح عمود الغمام نهارا وعمود النار ليلا من أمام الشعب » ثم جاء في الفصل الرابع عشر منه بعد ذكر اتباع فرعون ومن معه بني إسرائيل « 19 فانتقل ملاك اللّه السائر امام عسكر بني إسرائيل فصار وراءهم وانتقل عمود الغمام من امامهم فوقف وراءهم ( 20 ) ودخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل ، فكان من هنا غماما مظلما ، وكان من هناك ينير الليل ، فلم يقترب أحد من الفريقين طول الليل » وهذا بعض ما جاء في التوراة مما يصح أن يكون تفسيرا لقوله تعالى في القرآن « وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ » فالباء هنا للمصاحبة كقولك سافرت به وجئت به ، واسناد المسير في عمود الغمام إلى الرب مجازي كقوله تعالى ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) « فأتوا » عقب تجاوزهم إياه ودخولهم في بلاد العرب من البر الآسيوي « على قوم يعكفون على أصنام لهم » يعبدونها ، فماذا كان من شأنهم إذا رأوهم يعبدون غير اللّه تعالى كالمصريين الذين انقذهم اللّه تعالى منهم ، وأراهم آياته على وحدانيته فيهم ؟ هل استهجنوا