الشيخ محمد رشيد رضا

108

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شركهم وأنكروه كما هو الواجب عليهم والمعقول ممن رأى ما رأوا من سوء مصير المشركين ، وحسن عاقبة الموحدين ؟ الجواب انهم لم ينكروه بألسنتهم ولا قلوبهم ، بل « قالوا يا موسى اجعل لهم إلها كما لهم آلهة » حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة آلهة المصريين وتماثيلها وانصابها وقبورها ، فعلم بهذا الطلب انهم لم يكونوا فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين ، لان السحرة كانوا من العلماء فامكنهم التمييز بين آيات اللّه تعالى التي لا يقدر عليها غيره وبين السحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم ، وأما هؤلاء الإسرائيليون فكانوا من العامة الجاهلين الذين بلد الذل أفهامهم ، وانما تبعوا موسى لانقاذه إياهم من ظلم فرعون وتعبيده لهم ، لا لفهمهم حقيقة التوحيد بالآيات الدالة عليه ولذلك قيل إنهم بعض القوم لا جميعهم ، فالتوحيد المحض الخالص من شوائب الشرك والوثنية هو غاية ما يرتقي اليه عرفان البشر ؛ وهو المراد من قوله تعالى ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) على القول بأن اللام للغاية ، وهو لا يقتضي حصوله لكل فرد منهم ، ولو عقل جميع بني إسرائيل كنه التوحيد لما وقع من تبرمهم بالتكاليف وتمردهم على موسى عليه السّلام ما قصه اللّه تعالى علينا في كتابه ، وفي التوراة التي لديهم من الزيادة عليه والتفصيل له ما هو من مواطن العجب ، وقد ابتلاهم اللّه تعالى ورباهم بالحسنات والسيئات ، وحرم الأرض المقدسة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، حتى انقرض ذلك الجيل الذي نشأ في حجر الوثنية ، وشب أو اكتهل أو شاخ في ذل العبودية الفرعونية . وقد رأينا نموذجا لذلك في طوائف من أمتنا ولدوا في مهد الظلم ، وشبوا في حجر النفاق والفسق ، فسنحت لا علمهم بشؤون الاجتماع والعمران فرص متعددة كان يرجى أن يحرروا فيها أنفسهم من رقها السياسي ويستقلوا بأمرهم ، فأضاعوها واحدة بعد أخرى ، وكان هذا من عبر التاريخ التي تثبت أن فلاح الأمم باخلاقها وعقائدها ، وأن العلم الناقص شر من الجهل المطلق ، وان العلم الصحيح في الرجل أو الشعب الفاسد الاخلاق كالسيف في يد المجنون ربما جيء به على صديقه أو على نفسه وربما نصر به عدوه ولم يبين لنا كتاب اللّه تعالى ولا رسوله ( ص ) شيئا من امر القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل عقب خروجهم من مصر إلى ارض العرب والظاهر أنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر : روي عن قتادة انهم من عرب لخم وعن أبي عمران الجوني لخم وجذام . وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت