الشيخ محمد رشيد رضا
106
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
له من دون اللّه ، وان قصد التقرب به إلى اللّه تعالى ليحمله بجاهه على اعطائه ما يريد كانت العبادة له وللّه تعالى بالاشتراك ، وهذا من مظاهر الشرك الجلي التي لا يخرجها تغيير التسمية عن كونها كفرا أو شركا ( استطراد فقهي ) حظر الشرع الاسلامي نصب التماثيل لأنها إما شرك أو ذريعة له أو تشبه بأهله وهي على هذا الترتيب في التدلي فأغلظها أو لها وأخفها ثالثها . وللتشبه درجات في الحظر أشدها ما كان في أمور الدين فإنه قد يكون كفرا ، وأهونها ما كان في العادات وأمور الدنيا فنجتنب منه مالنا غنى عنه وما كان نافعا غير ضار بنفسه لا نأخذه بقصد التشبه فقط لأنه لا يكون الامن تعظيم المتشبه لغير أهل ملته وهو يتضمن أو يستلزم احتقارها أو احتقارهم والشمور بأنهم دونهم . وأما اقتباس العلم والحكمة والفنون والصناعات النافعة لأجل منفعتها بقدرها فليس من التشبه ولا من تفضيل المقتبس منهم على أهل ملته لأن هذه الأمور ليست من أمور الدين ولا اقتبست لأجل التعظيم بل لفائدتها ، وقد تكون هذه الفائدة مما تعتز به ملة المقتبس المستفيد وأهلها . ومن ذلك أخذ النبي ( ص ) عمل الخندق عن الفرس إذ أخبره سلمان ( رض ) عنهم بذلك وقد يكون هذا الاخذ واجبا شرعا ومنه أخذنا لفنون الحرب وصناعاتها وآلاتها عن الإفرنج إذ أتقنوها قبلنا ، فهو فرض كفاية بلا نزاع فالأمة الحية تقتبس كل شئ نافع يغذي حياتها ويزيدها قوة وعزة ، وتتقي في ذلك كل ما فيه ضعف لها في مقوماتها أو مشخصاتها ولا سيما إذا كان فيه تفضيل لخصومها أو غيرهم عليها ، وقد فطن اليابان لهذه القاعدة فحافظوا على شؤونهم الملية والقومية عند اقتباسهم لعلوم الفرنجة وفنونها فصاروا مثلهم في ثلث قرن . وغفل عنه الترك والمصريون فأضاعوا من ملكهم . وليس في نصب التماثيل فائدة ومنفعة ذات بال لا تحصل بغيرها تبيح للمسلمين تقليد الوثنيين والنصارى فيها ولو في جعلها لغير رجال الدين بعدا عن شبهة عبادتها ، ومن ذا الذي يأمن هذا وقد عبدت قبور الأولياء وأئمة آل البيت كما عبد غلاة الشيعة من الباطنية أشخاصا منهم احياء وأمواتا ، ونرى الشيعة المعتدلين الذين استباحوا نصب التماثيل غير الدينية قد اتخذ بعضهم في هذه الأيام تمثالا لأمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه في بلاد إيران كما نقلت صحف الاخبار عنهم . وأما الصور فلها فوائد في الحرب وحفظ الامن وتحقيق معاني اللغة وكثير من العلوم ولا سيما