الشيخ محمد رشيد رضا

105

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ جاز الشيء وجاوزه وتجاوزه عداه وانتقل عنه . والعكوف على الشيء الاقبال عليه وملازمته على سبيل التعظيم ومنه العكوف والاعتكاف في المسجد وهو ملازمته لأجل العبادة . قرأ حمزة والكسائي يعكفون بكسر الكاف من باب جلس يجلس والباقون بضمها من باب قعد يقعد . والأصنام جمع صنم وهو ما يصنع من الخشب أو الحجر أو المعدن مثالا لشيء حقيقي أو خيالي أو مذكرا به ليعظم تعظيم العبادة ، واتخذ بعض العرب في الجاهلية صنما من عجوة التمر فعبدوه ثم جاعوا فأكلوه . والفرق بينه وبين التمثال ان هذا لا بد أن يكون مثالا لشيء - وأنه قد يكون للعبادة وحينئذ يسمى صنما وقد يكون للزينة كالذي تراه على جدران بعض القصور المشيدة أو أبوابها أو في حدائقها ، وقد يكون للتعظيم والتكريم غير الديني كالتماثيل التي تنصب لبعض الملوك وكبار علماء الدنيا أو القواد والزعماء للتذكير بتاريخهم واعمالهم للاقتداء بهم ، ويكثر هذا في بلاد الإفرنج وقلدهم بعض بلاد الشرق كمصر فنصبت حكومتها تماثيل لبعض امراء بيت الملك الحاضر وغيرهم من رجالهم . والفرق بين هذا التعظيم السياسي أو العلمي وبين تعظيم العبادة أن الغرض من الأول اما رفعة شأن الدولة وتمكين سلطانها في أنفس الأمة بمشاهدة صور ملوكها وكبراء رجالها وتماثيلهم وهو قصد سياسي صحيح عند أهله - واما بعث شعور حب العلم والاقتداء بالعلماء والأدباء والزعماء الذين نفعوا أمتهم عسى أن يوجد في المستعدين من يكون مثلهم أو خيرا منهم ، وهو قصد اجتماعي صحيح عند علماء التربية وأما تعظيم العبادة فالغرض منه التقرب من المعبود وطلب ثوابه بدفع ضرر أو جلب منفعة من طريق الغيب لا الكسب والتعاون عليه من طريق الأسباب العامة . فتعظيم الشيء الذي يعتقد أن له سلطة غيبية أو تعظيم ما يذكر به من صورة أو تمثال أو قبر أو ثوب أو غير ذلك من آثاره لأجل التقرب اليه وقصد الانتفاع به في الأمور التي لا تنال بالأسباب العامة - وهي مالا يطلب إلا من اللّه تعالى أو لأجل التقرب إلى اللّه تعالى بجاهه - كل ذلك عبادة ظاهرة ، فان قصد المعظم لذلك الشئ أو لما يذكر به الانتفاع به نفسه بما ذكر من التعظيم بالقول كالدعاء والاستغاثة أو بالفعل كالطواف بتمثاله أو قبره وتقبيله والمرغ بأرضه - كانت العبادة خالصة