الشيخ محمد رشيد رضا
102
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تأثير الايمان والوحي في موسى وهارون عليهما السّلام إذ تصديا لأعظم ملك في أعظم دولة في الأرض قاهرة لقومهما ومعبدة لهم في خدمتها منذ قرون كثيرة فدعواه إلى الرجوع عن الكفر والظلم والطغيان وتعبيد بني إسرائيل وأنذراه وهدداه ، وما زالا يكافحانه بالحجج والآيات البينات حتى أظفرهما اللّه تعالى به وأنقذا قومهما من ظلمه وظلم قومه فجدير بالمؤمنين باللّه تعالى ورسله من المسلمين ان ينتقلوا من التفكر في هذا إلى التفكر في وعد اللّه تعالى للمؤمنين بالنصر كما وعد المرسلين اذاهم قاموا بما امرهم تعالى به على ألسنتهم - وان لا يستعظموا في هذه السبيل قوة الدول الظالمة لهم ، فان قوة الحق التي نصرها اللّه تعالى برجل أو رجلين على أعظم الدول لا تغلب إذا نصرناها ونحن مئات الملايين واللّه تعالى يقول ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ - ويقول - وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ( الوجه الثاني ) إنه تجدد عندنا في هذا الزمان أمر عظيم يتعلق بهذه الأرض المباركة المقدسة وهو محاولة اليهود انتزاعها من أيدي أهلها العرب وتنازع الفريقين في التعارض والترجيح بين وعد اللّه لكل منهما بهذه الأرض وما أنجزه لكل منهما ، ومن المستحق لها في هذا العصر ، فليتأمل المعتبر في وعد اللّه تعالى بها لبنى إسرائيل من ذرية إبراهيم ثم وعده بها وبغيرها للعرب من ذريته على لسان خاتم الرسل صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ، وآلهم الصالحين المصلحين . ولعنته وخزيه على الفاسدين المفسدين المصرين . فقد انجز اللّه تعالى وعده للفريقين عندما كانوا متقين ، وأخطأ كل فريق منهم في عصر رسولهم فأدبهم اللّه تعالى بما هو منصوص في الكتاب المبين : أراد بنو إسرائيل الذين أخرجهم موسى من مصر أن تكون لهم تلك الأرض ، بغير عمل منهم ولا سعي ، فامتنعوا من قتال من فيها من الجبارين وقالوا لموسى ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ) فحرمها اللّه تعالى عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض - كما عرض الغرور لبعض بني إسماعيل في عصر الرسول الأعظم بما كان من نصر اللّه تعالى لهم في غزوة بدر مع قلة العدد والعدد والزاد ، وظنوا انهم ينصرون كما وعدوا ، وان قصروا فيما أمروا ، فلما أصيبوا بما أصيبوا به في غزوة أحد تعجبوا واستفهموا ، فأجابهم اللّه تعالى بما علموا به ان وعده المطلق في قوله ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) وقوله