الشيخ محمد رشيد رضا
103
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) مقيد بما في الآيات الأخرى كقوله ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ * وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) أجابهم بقوله ( أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) إلى آخر ما فصلنا في تفسيرها مع سياقها من الجزء الرابع . نعم ان اللّه تعالى أنجز وعده الأول لإبراهيم صلوات اللّه وسلامه عليه بجعل هذه الأرض لذريته فجعلها أولا للمتقين من آل اسحق ، ثم نزعها منهم بظلمهم وافسادهم في الأرض مرة بعد أخرى . ثم أعطاها للمتقين من آل إسماعيل ، ثم انتزع السلطان عليها منهم أيضا بظلمهم لأنفسهم ، وتجدد التنازع في رقبتها بين الفريقين - بني إسرائيل وبنى إسماعيل - باغراء الانكليز الذين استولوا عليها وأوقعوا الشقاق بين الفريقين فيها ، وهم أحذق الخلق ، في ضرب الشعوب بعضها ببعض ، وستكون العاقبة للمتقين ، بحسب سنة اللّه في البشر أجمعين . فلا يغترن قومنا بالأوهام ، ولا يتكلن على المتجرين بالأقوام ، ولا ينخدعن بعد بشقاشق الكلام ، ولا ينوطن الزعامة بأصحاب الانساب ، الفاقدين للعلم والاستقامة وسائر الأسباب ، ولا سيما من ثبتت موالاتهم لأعداء البلاد وسالبى استقلالها ، وواضعي الخطة الشيطانية لانتزاع رقبتها من أهلها ، والقضاء عليهم بالانقراض منها ، بتعذر الحياة عليهم فيها ، لا بالابعاد القسري عنها ، بأن يكون شأنهم في هذا كسكان أمريكا قبل استعمار الانكليز وغيرهم لها ، ولا منجاة لعرب فلسطين من هذا الحظر العظيم الا بي من قبل شعبين اثنين هما أشد شعوب الأرض قوة وثروة ودهاء وكيدا وعلما وصبرا وجلدا الا باتحادهم مع سائر الشعوب والقبائل العربية على الاستبسال والاستقتال في الدفاع الحقيقي عن أمتهم وبلادهم - ومع سائر الشعوب الاسلامية في الدفاع المعنوي عن الأرض المقدسة والحرمين الشريفين اللذين لا استقلال لهما ولا أمن عليهما ، مع إحاطة هذه القوة الأجنبية بهما ، ولكنهم لم يخطوا خطوة واحدة في طريق الوحدة العربية ، بل خطوا خطوتين واسعتين في سبيل الشقاق والتفرق بين الامارات المسلحة في الجزيرة العربية نفروا بهما أكبر الشعوب الاسلامية منهم ( الأولى ) موالاة صاحب الحجاز الذي أعان الانكليز على فتح بلادهم ثم كان هو وأولاده مثبتا لاقدامهم فيما جاورها ، وحائلا بينهم وبين سائرها ، بأن أقروه على انتحاله لنفسه ملك البلاد العربية وعلى سعيه لاخضاع تلك الامارات