الشيخ محمد رشيد رضا

99

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لبوست مجلد 1 ص 410 أن هيرودوتس المؤرخ اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد قال « إن ابن سيسوسترس ضرب بالعمى مدة عشر سنين لأنه رمى رمحه في النهر وقد ارتفعت أمواجه وقت فيضه بسبب نوء شديد إلى علو غير اعتيادي » اه ويقول المؤرخون ان ابن سيسوسترس هذا ( وهو منفتاح الثاني ) هو فرعون الخروج ويتخذون هذه العبارة إشارة إلى غرقه في زمن موسى . ولكن يرى القارئ منها أنها لو كانت إشارة إلى الغرق لكان الغرق في النيل « 1 » ومن الرواية الأولى يعلم أن موسى حكم بعد فرعون 13 سنة في مصر . وهاتان الروايتان هما من أقدم الروايات المصرية وأصحها وربما كانتا الوحيدتين في هذه المسألة ، ولعل المصريين استغاثوا بمملكة الحبشة فأرسلت إليهم جيشا فأوحى اللّه إلى موسى بالخروج حينئذ من مصر وتركها لأهلها ، وعليه يجوز أن المصريين كتموا خبر غرق ملكهم واستبدلوا به دعوى تقهقره إلى الحبشة وقالوا إنه هو الذي عاد بعد ذلك وأخرج موسى بالقوة سترا لخزيهم وخذلانهم وارضاء لملوكهم وأسر ( جمع أسرة بالضم ) هؤلاء الملوك وربما أنه لولا عظم هذه الحادثة وشهرتها بينهم لانكروها بالمرة « ومن ذلك تعلم أن الخروج لم يكن عقب غرق المصريين مباشرة كما يفهم من التوراة ولم يكن السبب فيه هذه الحادثة التي غرق فيها فرعون وجيشه بل كان بعد ذلك ببعض سنين « ويرى المطلع على القرآن الشريف أن هاتين الروايتين صادقتان في مسألة غرق فرعون في النيل ومسألة حكم موسى في مصر 13 سنة . وأما الغرق في النيل فيفهم من قول القرآن مثلا في سورة طه ( إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ ) ثم قوله في آخر هذه القصة ( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ) فالمتبادر من ذلك أن فرعون غرق في نفس اليم الذي ألقى فيه موسى وهو النيل ، ومثل ذلك أيضا ما جاء في سورة القصص وهو قوله ( فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ) ثم قوله فيها بعد ( فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ )

--> ( 1 ) ويجوز أن تكون عبارة هيرودتس : رمي رمحه في البحر ثم ترجمت بالنهر لأن النهر الكبير يسمى بحرا ككل ماء كثير مستبحر