الشيخ محمد رشيد رضا
94
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا ارحم الراحمين فيقبض اللّه قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط » فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة . ومن هذا رحمته سبحانه للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت اللّه سبحانه ، فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت ؟ قال : خشيتك وأنت اعلم ، فما تلافاه أن رحمه اللّه . فلله سبحانه في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر . وقد ثبت في حديث انس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « يقول اللّه عز وجل : أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام » قالوا ومن ذا الذي في مدة عمره كلها من أولها إلى آخرها لم يذكر ربه يوما واحدا ولا خافه ساعة واحدة ؟ ولا ريب أن رحمته سبحانه إذا أخرجت من النار من ذكره وقتا ما أو خافه في مقام ما فغير بدع ان تفنى النار ولكن هؤلاء خرجوا منها وهي نار الوجه الحادي والعشرون - ان اعتراف العبد بذنبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم واللوم اليه من كل وجه ونسبة العدل والحمد والرحمة والكمال المطلق إلى ربه من كل وجه يستعطف ربه تبارك وتعالى عليه ويستدعي رحمته له وإذا أراد ان يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه والرحمة معه ولا سيما إذا اقترن بذلك جزم العبد على ترك المعاودة لما يسخط ربه عليه وعلم اللّه ان ذلك داخل قلبه وسويدائه فإنه لا يتخلف عنه الرحمة مع ذلك وفي معجم الطبراني من حديث يزيد بن سنان الرهاوي عن سليمان بن عامر عن أبي امامة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « ان آخر رجل يدخل الجنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبطن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول يا رب بلغ في الجنة ونجني من النار ، فيوحي اللّه تبارك وتعالى اليه : عبدي ! إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك ؟ فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك إن نجيتني من النار لأعترفن لك بذنوبي وخطاياي ، فيجوز الجسر ويقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار ، فيوحي اللّه اليه : عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة ، فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط ، فيوحي اللّه اليه : عبدي إن لي عليك