الشيخ محمد رشيد رضا

95

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا ، فيقول يا رب أرني بينتك ، فيستنطق اللّه تعالى جلده بالمحات فإذا رأى ذلك العبد يقول يا رب عندي وعزتك العظائم فيوحي اللّه اليه : عبدي أنا أعرف بها منك اعترف لي بها أغفرها لك وأدخلك الجنة . فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة » ثم ضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى بدت نواجذه - يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه ؟ فالرب تعالى يريد من عبده الاعتراف والانكسار بين يديه والخضوع والذلة له والعزم على مرضاته * فما دام أهل النار فاقدين لهذا الروح فهم فاقدون لروح الرحمة ، فإذا أراد عز وجل ان يرحمهم أو من يشاء منهم جعل في قلبه ذلك فتدركه الرحمة ، وقدرة الرب تبارك وتعالى غير قاصرة عن ذلك وليس فيه ما يناقض موجب أسمائه وصفاته وقد اخبر انه فعال لما يريد الوجه الثاني والعشرون - انه سبحانه قد أوجب الخلود على معاصي من الكبائر وقيده بالتأبيد ولم يناف ذلك انقطاعه وانتهاءه فمنها قوله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ) ومنها قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا » وهو حديث صحيح . وكذلك قوله في الحديث الآخر في قاتل نفسه « فيقول اللّه تبارك وتعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة » وأبلغ من هذا قوله تعالى ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ) فهذا وعيد مقيد بالخلود والتأبيد ، مع انقطاعه قطعا بسبب من العبد وهو التوحيد . فكذلك الوعيد العام لأهل النار لا يمتنع انقطاعه بسبب ممن كتب على نفسه الرحمة وغلبت رحمته غضبه ، فلو يعلم الكافر بكل ما عنده من الرحمة لما يئس من رحمته كما في صحيح البخاري عنه صلّى اللّه عليه وسلم « خلق اللّه الرحمة يوم خلقها مائة رحمة - وقال في آخره - فلو يعلم الكافر بكل الذي عند اللّه من الرحمة لم ييأس من الجنة ، ولو يعلم المسلم بكل الذي عند اللّه من العذاب لم يأمن من النار » الوجه الثالث والعشرون - انه لو جاء الخبر منه سبحانه صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وانه أبدي لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه واللّه تعالى لا يخلف وعده . وأما الوعيد فمذهب أهل السنة كله ان اخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تبارك وتعالى به ويثنى عليه به فإنه حق له إن شاء تركه وإن