الشيخ محمد رشيد رضا

84

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اثره ويدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله « اخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير » « 1 » فلو كان عند هؤلاء أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين قيل : لعمر اللّه ان هذا لمن أقوى ما يتمسك به في المسألة وان الامر لكما قلتم وان العذاب يدوم بدوام موجبه وسببه ، ولا ريب انهم في الآخرة في عمى وضلال كما كانوا في الدنيا وبواطنهم خبيثة كما كانت في الدنيا والعذاب مستمر عليهم دائم ما داموا كذلك ولكن هل هذا الكفر والتكذيب والخبث أمر ذاتي لهم زواله مستحيل أم هو امر عارض طاريء على الفطرة قابل للزوال ؟ هذا حرف المسئلة وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وانه امر ذاتي ، وقد اخبر سبحانه انه فطر عباده على الحنيفية وان الشياطين اجتالتهم عنها فلم يفطرهم سبحانه على الكفر والتكذيب كما فطر الحيوان البهيم على طبيعته وانما فطرهم على الاار بخالقهم ومحبته وتوحيده ، فإذا كان هذا الحق الذي فطروا عليه وخلقوا عليه قد أمكن زواله بالكفر والشرك الباطل ، فامكان زوال الكفر والشرك الباطل بضده من الحق أولى واحرى ، ولا ريب انهم لو ردوا على تلك الحال التي هم عليها لعادوا لما نهوا عنه ، ولكن من اين لكم ان تلك الحال لا تزول ولا تتبدل بنشأة أخرى ينشئهم فيها تبارك وتعالى إذا اخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فان العذاب لم يكن سدى وانما كان لحكمة مطلوبة ، فإذا حصلت تلك الحكمة لم يبق في التعذيب امر يطلب ولا غرض يقصد واللّه سبحانه ليس يشتفي بعذاب عباده كما يشتفي المظلوم من ظالمه ، وهو لا يعذب عبده لهذا الغرض وانما يعذبه طهرة له ورحمة به فعذابه مصلحة له وإن تألم به غاية الألم ، كما أن عذابه بالحدود في الدنيا مصلحة لأربابها ، وقد سمى اللّه سبحانه الحد عذابا « 2 » وقد اقتضت حكمته سبحانه ان جعل لكل داء دواء يناسبه ودواء الداء العضال يكون من أشق الأدوية والطبيب الشفيق يكوي المريض بالنار كيا بعد كي ليخرج منه المادة الردية الطارئة على الطبيعة المستقيمة وإن رأى قطع العضو أصلح للعليل قطعه واذاقه أشد الألم ، فهذا قضاء الرب وقدره في إزالة مادة غريبة

--> ( 1 ) هذه جملة من حديث قدسي في الصحيح كرر فيه لفظ أدنى في بعض الروايات ( 2 ) قال تعالى في حد الزاني والزانية « وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »