الشيخ محمد رشيد رضا
85
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
طرأت على الطبيعة المستقيمة بغير اختيار العبد فكيف إذا طرأ على الفطرة السليمة مواد فاسدة باختيار العبد وارادته وإذا تأمل اللبيب شرع الرب تعالى وقدره في الدنيا وثوابه وعقابه في الآخرة وجد ذلك في غاية التناسب والتوافق وارتباط ذلك بعضه ببعض فان مصدر الجميع عن علم تام وحكمة بالغة ، ورحمة سابغة وهو سبحانه الملك الحق المبين وملكه ملك رحمة واحسان وعدل الوجه التاسع - ان عقوبته للعبد ليست لحاجته إلى عقوبته ولا لمنفعة تعود اليه ولا لدفع مضرة وألم يزول عنه بالعقوبة ، بل يتعالى عن ذلك ويتنزه كما يتعالى عن سائر العيوب والنقائص . ولا هي عبث محض خال عن الحكمة والغاية الحميدة فإنه أيضا يتنزه عن ذلك ويتعالى عنه ، فاما أن يكون من تمام نعيم أوليائه وأحبابه ، واما ان يكون من مصلحة الأشقياء ومداواتهم أو لهذا ولهذا ، وعلى التقادير الثلاث فالتعذيب امر مقصود لغيره قصد الوسائل لا قصد الغايات ، والمراد من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها . ونعيم أوليائه ليس متوقفا في أصله ولا في كماله على استمرار عذاب أعدائه ودوامه . ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام والاستمرار وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم الوجه العاشر - ان رضاء الرب تبارك وتعالى ورحمته صفتان ذاتيتان له فلا منتهى لرضاه بل كما قال اعلم الخلق به « سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته » فإذا كانت رحمته غلبت غضبه فان رضى نفسه أعلى وأعظم فان رضوانه أكبر من الجنات ونعيمها وكل ما فيها ، وقد اخبر عن أهل الجنة انه يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم ابدا . وأما غضبه تبارك وتعالى وسخطه فليس من صفاته الذاتية التي يستحيل انفكاكه عنها بحيث لم يزل ولا يزال غضبان والناس لهم في صفة الغضب قولان ( أحدهما ) انه من صفاته الفعلية القائمة به كسائر افعاله ( والثاني ) انه صفة فعل منفصل عنه غير قائم به . وعلى القولين فليس كالحياة والعلم والقدرة التي يستحيل مفارقتها له . والعذاب انما ينشأ من صفة غضبه وما سعرت النار إلا بغضبه ، وقد جاء في أثر مرفوع « إن اللّه خلق خلقا من غضبه وأسكنهم بالمشرق وينتقم بهم ممن عصاه » فمخلوقاته سبحانه نوعان : نوع مخلوق من الرحمة وبالرحمة ، ونوع مخلوق من الغضب وبالغضب فإنه سبحانه