الشيخ محمد رشيد رضا
81
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قاطعة على انقطاعه في حق الموحدين . وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهذا معترك النزال فمن كان السمع في جانبه فهو أسعد بالصواب وبالله التوفيق فصل ونحن نذكر الفرق بين دوام الجنة والنار شرعا وعقلا وذلك يظهر من وجوه ( أحدها ) أن اللّه سبحانه وتعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامه وانه لا نفاذ له ولا انقطاع وانه غير مجذوذ . وأما النار فلم يخبر عنها بأكثر من خلود أهلها فيها وعدم خروجهم منها وانهم لا يموتون فيها ولا يحيون وانها مؤصدة عليهم وانهم كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وأن عذابها لازم لهم وانه مقيم عليهم لا يفتر عنهم ، والفرق بين الخبرين ظاهر الوجه الثاني - أن النار قد أخبر سبحانه وتعالى في ثلاث آيات عنها بما يدل على عدم أبديتها - الأولى - قوله سبحانه وتعالى ( قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) - الثانية - قوله ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) - الثالثة - قوله : ( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ) ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها لكان حكم الاستثناء في الموضعين واحدا كيف وفي الآيتين من السياق ما يفرق بين الاستثناءين فإنه قال في أهل النار ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ) فعلمنا انه سبحانه وتعالى يريد أن يفعل فعلا لم يخبرنا به ، وقال في أهل الجنة ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) فعلمنا أن هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدا . فالعذاب موقت معلق والنعيم ليس بموقت ولا معلق الوجه الثالث - انه قد ثبت ان الجنة يدخلها من لم يعمل خيرا قط من المعذبين الذين يخرجهم اللّه من النار ، وأما النار فلم يدخلها من لم يعمل سوءا قط ولا يعذب إلا من عصاه الوجه الرابع - انه قد ثبت أن اللّه سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا آخر يوم القيامة يسكنهم إياها ولا يفعل ذلك بالنار ، وأما الحديث الذي قد ورد في صحيح البخاري من قوله « وأما النار فينشيء الله لها خلقا آخرين » فغلط وقع من بعض الرواة انقلب عليه الحديث وانما هو ما ساقه البخاري في الباب نفسه « وأما الجنة فينشيء اللّه لها خلقا آخرين » ذكره البخاري رحمه اللّه مبينا أن الحديث « تفسير الآن الحكيم » « 11 » « الجزء الثامن »