الشيخ محمد رشيد رضا

82

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

انقلب لفظه على من رواه بخلاف هذا وهذا . والمقصود انه لا تقاس النار بالجنة في التأييد مع هذه الفروق يوضحه الوجه الخامس - ان الجنة من موجب رحمته ورضاه والنار من غضبه وسخطه ، ورحمته سبحانه تغلب غضبه وتسبقه كما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لما خلق اللّه الخلق كتب في كتاب فهو عنده موضوع على العرش إن رحمتي تغلب غضبي » وإذا كان رضاه قد سبق غضبه وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه وما هو من موجب غضبه ممتنعا يوضحه الوجه السادس - ان ما كان بالرحمة وللرحمة فهو مقصود لذاته قصد الغايات ، وما كان من موجب الغضب والسخط فهو مقصود لغيره قصد الوسائل فهو مسبوق مغلوب مراد لغيره ، وما كان بالرحمة فغالب سابق مراد لنفسه يوضحه الوجه السابع - وهو انه سبحانه قال للجنة « أنت رحمتي أرحم بك من أشاء - وقال للنار - أنت عذابي أعذب بك من أشاء » وعذابه مفعول منفصل وهو ناشيء عن غضبه ، ورحمته ههنا هي الجنة وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن . فههنا أربعة أمور : رحمة هي وصفه سبحانه ، وثواب منفصل وهو ناشيء عن رحمته ، وغضب يقوم به سبحانه ، وعقاب منفصل ينشأ عنه . فإذا غلبت صفة الرحمة صفة الغضب فلأن يغلب ما كان بالرحمة لما كان بالغضب أولى وأحرى فلا تقاوم النار التي نشأت عن الغضب الجنة التي نشأت عن الرحمة يوضحه الوجه الثامن - أن النار خلقت تخويفا للمؤمنين وتطهيرا للخاطئين والمجرمين ، فهي طهرة من الخبث الذي اكتسبته النفس في هذا العالم ، فان تطهرت ههنا بالتوبة النصوح والحسنات الماحية والمصائب المكفرة لم تحتج إلى تطهير هناك ، وقيل لها مع جملة الطيبين ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ) وان لم تتطهر في هذه الدار ووافت الدار الأخرى بدرنها ونجاستها وخبثها أدخلت النار طهرة لها ويكون مكثها في النار بحسب زوال ذلك الدرن والخبث والنجاسة التي لا يغسلها الماء فإذا تطهرت الطهر التام أخرجت من النار ، واللّه سبحانه خلق عباده حنفاء وهي فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، فلو خلوا وفطرهم لما نشؤا إلا على التوحيد ، ولكن عرض لأكثر الفطر ما غيرها ، ولهذا كان نصيب النار أكثر من