الشيخ محمد رشيد رضا
80
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المسلمين ، واما فناء النار وحدها فقد أوجدناكم من قال به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار فكيف يكون القول به من أقوال أهل البدع مع أنه لا يعرف عن أحد من أهل البدع التفريق بين الدارين ؟ فقولكم انه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم وآرائهم واختلافهم قالوا والقول الذي يعد من أقوال أهل البدع ما خالف كتاب اللّه وسنة رسوله واجماع الأمة اما الصحابة أو من بعدهم . واما قول يوافق الكتاب والسنة وأقوال الصحابة فلا يعد من أقوال أهل البدع وإن دانوا به واعتقدوه . فالحق يجب قبوله مما قاله ، والباطل يجب رده على من قاله . وكان معاذ بن جبل يقول : اللّه حكم قسط هلك المرتابون ، إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها الآن حتى يؤه المؤمن والمنافق ، والمرأة والصبي ، والأسود والأحمر فيوشك أحدهم ان يقول قد أت الآن فما أظن ان يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره ، فإياكم وما ابتدع فان كل بدعة ضلالة . وإياكم وزيغة الحكيم فان الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة ، وان المنافق قد يقول كلمة الحق . فتلقوا الحق عمن جاء به فان على الحق نورا . قالوا وكيف زيغة الحكيم ؟ قال هي الكلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذا فاحذروا زيغه ولا تصدنكم عنه فإنه يوشك أن يفيء وان يراجع الحق ، وان العلم والايمان مكانهما إلى يوم القيامة ، والذي أخبر به أهل السنة في عقائدهم هو الذي دل عليه الكتاب والسنة واجمع عليه السلف ان الجنة والنار مخلوقتان ، وان أهل النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يفتر عنهم وانهم خالدون فيها . ومن ذكر منهم ان النار لا تفنى ابدا فإنما قاله لظنه ان بعض أهل البدع قال بفنائها ولم يبلغه تلك الآثار التي تقدم ذكرها ( قالوا ) واما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فاخبار عن العقل بما ليس عنده فان المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ، واما أصل الثواب والعقاب فهل يعلم بالعقل مع السمع أو لا يعلم إلا بالسمع وحده ؟ ففيه قولان لنظار المسلمين من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ، والصحيح ان العقل دل على المعاد والثواب والعقاب اجمالا ، واما تفصيله فلا يعلم إلا بالسمع ، ودوام الثواب والعقاب مما لا يدل عليه العقل بمجرده وانما علم بالسمع ، وقد دل السمع دلالة قاطعة على دوام ثواب المطيعين ، وأما عقاب العصاة فقد دل السمع أيضا دلالة