الشيخ محمد رشيد رضا

67

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتوقعها في الأمراض والأدواء ، وقد مر على البشر ألوف من السنين وهم يجهلون طرق دخول هذه النسم الحية في أجسادهم وتقوية الاستعداد للامراض والادواء فيها بل إحداث الأمراض الوبائية وغيرها بالفعل حتى اكتشفها الأطباء في هذا العصر وعرفوا هذه الطرق والمداخل الخفية بما استحدثوا من المناظير التي تكبر الصغير حتى يرى أكبر مما هو عليه بألوف من الاضعاف . ولو قيل لأكبر أطباء قدماء لنصريين أو الهنود أو اليونان أو العرب إن في الأرض أنواعا من النسم الخفية تدخل الأجساد من خرطوم البعوضة أو البرغوث أو القملة ومع الهواء والماء والطعام وتنمي فيها بسرعة عجيبة فتكون ألوف الألوف وبكثرتها تتولد الأمراض والأوبئة القاتلة - لقالوا إن هذا القول من تخيلات المجانين . ولكن العجب لمن ينكر مثل هذا في الأرواح بعد اكتشاف ذلك في الأجساد ، وأمر الأرواح أخفى ، فعدم وقوفهم على ما يلابسها ألوفا من السنين أولى . وقد روي في الآثار ما يدل على جنة الأجسام ولو صرح به قبل اختراع هذه المناظير التي يرى بها لكان فتنة لكثير من الناس بما يزيدهم استبعادا لما جاء به الرسل من خبر الجن . ففي الحديث « تنكبوا الغبار فان منه تكون النسمة » والنسمة في اللغة كل ما فيه روح وفسره ابن الأثير في الحديث بالنفس ( بالتحريك ) أي تواتره الذي يسمى الربو والنهييج وتبعه شارح القاموس وغيره ، وهو تجوز لا يؤيد الطب ما يدل عليه من الحصر . وروي عن عمرو بن العاص : اتقوا غبار مصر فإنه يتحول في الصدر إلى نسمة . وهو بعيد عن تأويلهم وظاهر فيما يقوله الأطباء اليوم وهو مأخوذ من الحديث الذي تأولوه ، وعمرو من فصحاء يش جهابذة هذا اللسان . ( وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) أي وصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا وهو يوم البعث والجزاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا ، ولك الأمر فينا . فالمراد من ذكر بلوغ الأجل لازمه وهو إظهار الحسرة والندامة على ما كان من تفريطهم في الدنيا ، والاضطرار إلى تفويضهم الأمر إلى الرب جل وعلا . ولم يذكر هنا قولا للمتبوعين من الشياطين وعلله بعضهم بأن الاقتصار على حكاية كلام الضالين دون المضلين يؤذن بأن المضلين قد أفحموا فلم يتكلموا . والصواب أن اللّه تعالى يذكر لنا بعض ما يكون يوم القيامة في آي متفرقة من سور متعددة لأن المراد به وهو العظة والاعتبار ينبغي أن يكون متفرقا لما بيناه من حكمته في مواضع من هذا التفسير . وقد قال تعالى في الفريقين