الشيخ محمد رشيد رضا
68
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ) وبين في سورة البة كيف يتبرأ بعضهم من بعض ، وقال بعده ( كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ) وحكى في ( سورة إبراهيم ) أقوال كل من الضعفاء التابعين من الناس وقول المتكبرين المتبوعين لهم وقول الشيطان للفريقين وتنصله من استحقاق الملام وكفره بما أشركوه . بعد ما تقدم ينتظر السامع والقارئ جواب اللّه تعالى لهم وقد بينه بقوله : ( قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) النار اسم لدار الجزاء المعدة للمشركين والمجرمين . والمثوى مكان الثواء والثواء نفسه وهو الإقامة والسكنى . والخلود المكث الثابت الطويل غير الموقت كمكث أهل الوطن في بيوتهم المملوكة لهم فيه ، أي تثوون فيها ثواء خلود أو مقدرين الخلود موطنين أنفسكم عليه ، إلا ما شاء اللّه تعالى مما يخالف ذلك فكل شيء بمشيئته ، وهذا الجزاء يقع باختياره فهو مقيد بها ، فان شاء أن يرفعه كله أو بعضه عنكم أو عن بعضكم فعل لأن مشيئته نافذة في كل شيء تتعلق به قدرته الكاملة وسلطانه الأعلى . ولكن هل يشاء شيئا من ذلك أم لا ؟ ذلك مما يعلمه هو سبحانه حق العلم وحده ولا يعلمه غيره إلا باعلامه ، وانما تتعلق الإرادة بما يقتضيه العلم والحكمة ، وقد بين ذلك بقوله : ( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أي عليم بما يستحقه كل من الفريقين حكيم فيما تتعلق به مشيئته من جزائهم المنصوص عليه في كتابه ، وفي هذا الاستثناء ومدلوله وتأويله وغايته ، والبشر لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، وانما تكلم من تكلم في الاستثناء هنا وفي سورة هود بالتأول للآيات الواردة في الجزاء والجمع بينها للجزم بأن الاختلاف والتعارض في كتاب اللّه تعالى محال . وكذا بتأول ما ورد في الأحاديث المبينة لما أنزله تعالى ، ومنها أحاديث سبق الرحمة وغلبها على الغضب وسعتها لكل شيء وعمومها أما ما ورد في التفسير المأثور في الاستثناء هنا فيؤيد ما جرينا عليه من تفويض الأمر فيه إلى اللّه تعالى وعدم الحكم على مشيئته في هذا الامر الغيبي وهو ما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه لا ينزلهم جنة ولا نارا . وأما الاستثناء في سورة هود فقد ذكروا في تأويله عدة روايات منها قول قتادة اللّه أعلم بثنياه ، ولأهل التفسير باللغة والجمع بين النقل والعقل فيها عدة آراء