الشيخ محمد رشيد رضا
512
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عمن يؤجر نفسه لهذا العمل من تحوت الفاء وأراذل الخدم ، فيجعل له جعلا أو راتبا على اتيانه ، وهو لا يلبث أن يعاف هذا المنكر أو يعجز عن ارضاء صاحبه ( المهين عنده المحترم عند من لا يعرف حاله ) فينشد المأبون غيره ، ولا يزال يذل ويخزى في مساومة أفراد هذه الطبقة السفلى على نفسه حتى يفتضح أمره في البلد ويشتهر بل يشهر بين سائر طبقات الناس ، فان أكثر التحوت الذين يعلونه لا يخجلون من إفشاء سرهم معه ، ولأنه كثيرا ما يعرض نفسه على من ليس منهم ويراودهم بالتصريح ، إذا لم يعرضوا عنه عندما يبدأ به من التعريض والتلويح . افنسي من ذكرنا من فلاسفة الفسق هذا الخزي ؟ أم يرون أنه لا يدنس النفس الناطقة بنقص ؟ فقبح اللواطة وفحشها ليس بكونها لذة بهيمية كما قيل ، إذ اللذة البهيمية لا قبح فيها لذاتها ، لأنها مقتضى الفطرة ومبدأ حكمة بقاء النسل ، بل فحشها باستعمالها بما يخالف مقتضى الفطرة وحكمتها ، وبما يترتب عليها من المضار البدنية والاجتماعية والأدبية الكثيرة * * * ( وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) أي وما كان جواب قومه عن هذا الانكار والنصيحة شيئا مما يدخل في باب الحجة ولا الاعتذار ، ولا غير ذلك مما اعتيد في الجدال ، - ما كان إلا الامر باخراجه هو ومن آمن معه من يتهم ، وتعليل ذلك بأنهم أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم في رجسهم ، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم مع هذه المباينة ، فان الناقص يستثقل معاشرة الكامل الذي يحته . وفي سورة الشعراء أنهم أنذروه هذا الاخراج ، إذا هو لم ينته عن الانكار ( فان قيل ) إنه لم يسبق ذكر لمن آمن معه فيعود إليهم ضمير « أَخْرِجُوهُمْ » ( قلنا ) ان هذا مما يعرف بالينة وقد صرح به في آية النمل ففيها ( أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ ) بدل أخرجوهم والباقي سواء ، الا العطف في أولها بالفاء ، كآية العنكبوت التي اختلف فيها الجواب ، وهي ( فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) والآن يفسر بعضه بعضا ، ومتى كان الكلام مفهوما كان صحيحا فصيحا وان أشكل على جامدي النحاة اعرابه كما سبق نظيره ( فان قيل ) ان في حكاية الجوابين تعارضا في المعنى محكيا بصيغة النفي والاثبات فيهما فكيف وقع هذا في كتاب اللّه تعالى وما الذي يدفع هذا التعارض ؟ ( قلنا ) انه لا تعارض ولا تنافي بين الجوابين ، لحملهما على الوقوع