الشيخ محمد رشيد رضا

513

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في وقتين . ولا شك انه كان ينهاهم كثيرا فكان يسمع في كل وقت كلاما ممن حضر منهم ، وقد قلنا إن قصص الآن لم يقصد بها سرد حوادث التاريخ بل العبرة والموعظة مما فيذكر في كل سورة من القصة الواحدة من المعاني والمواعظ ما لا يذكر في الأخرى ، ومجموعها هو كل ما أراد اللّه تعالى أن يعظ به هذه الأمة . فمن المعهود أن الرسل عليهم السّلام - وكذا غيرهم من الوعاظ الذين ينهون الضالين والمجرمين عن المنكر - يكررون لهم الوعظ بمعان متقاربة . ويسمعون منهم أجوبة متشابهة ، وقد يقول بعضهم ما لا يقول غيره فيعجبهم ويونه عليه فيسند إليهم كلهم ، كما يسند إليهم فعل الواحد منهم إذا رضوه وأوه عليه ولو بعد فعله ، كما تقدم آنفا في اسناد ع الناقة إلى قوم صالح وإنما عها واحد منهم ، وقد حكى اللّه تعالى من قول رسوله لوط عليه السّلام لقومه في سورة العنكبوت ما لم يحكه في سورتي الأعراف والنمل ، فزاد على اتيانهم الرجال قطع السبيل ، وإتيانهم المنكر في النادي الحافل ، والمجلس الحاشد ، فكأنهم ضاقوا به حينئذ ذرعا واستعجلوه العذاب الذي أنذرهم إذا أصروا على عصيانه ، والأظهر أن هذا كان بعد أمرهم باخراجه ، وأن التوعد بالاخراج كان قبل الامر به واللّه أعلم ( فان قيل ) هذا مقبول « 1 » لان مثله معهود معروف ولكن ما وجه بدء جملة الجواب بالواو تارة وبالفاء أخرى وما وجه اختصاص كل منهما بموضعه ؟ ( قلنا ) إن عطف الجملة على ما قبلها بكل من الواو والفاء جائز إلا أن في الفاء زيادة معنى لأنها تفيد ربط ما بعدها بما قبلها بما يقتضي وجوب تلوه له فهو جماع معانيها العامة من التعقيب والسببية وجزاء الشرط ، والأصل العام في هذا الارتباط أن يكون ما بعد الفاء أثرا لفعل وقع قبله ، وكل من آيتي النمل والعنكبوت جاء بعد إسناد فعل إلى القوم ، وهو قوله في الأولى ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) وفي الثانية ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) فلذلك عطف

--> ( 1 ) أردت أن أكتب « هذا معقول مقبول » ومن العادة أن أرسل ما كتبته إلى المطبعة من غير أن أأه ثم أصححه بعد جمع المطبعة له فلما عرض علي هذا لتصحيحه رأيت كلمة « معقبول » فعلمت اني نحت من الكلمتين كلمة واحدة بغير شعور ، ولسبق القلم في مثل هذا سبب نفسي ليس هذا محل بيانه ، وكلمة معقبول جديرة بالاستعمال إذا رت مجامع اللغة جعل النحت قياسيا للحاجة اليه في هذا العصر