الشيخ محمد رشيد رضا
511
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
داعية ثابتة لا عن علة عارضة ، فلا يزال صاحبه يعاوده حتى يكون ملكة راسخة له ، فتكرار العمل يكوّن الملكة ، والملكة تدعو إلى تكرار العمل والاصرار عليه ، وهذا وجه إضراب الانتقال من اسناد إتيان الفاحشة إليهم بفعل المضارع المفيد للتكرار والاستمرار إلى اسناد صفة الاسراف إليهم بقوله ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) أي لستم تأتون هذه الفاحشة المرة بعد المرة بعد ندم وتوبة عقب كل مرة بل أنتم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم لا تقفون عند حد الاعتدال في عمل من الاعمال ، ففي سورة العنكبوت مكان هذه الآية - وما قبلها عين ما قبلها - ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) وفي سورة الشعراء مكان هذا الاضراب هنا ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ) أي متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة ، فهو بمعنى الاسراف ، وفي سورة النمل ( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) وهو يشمل الجهل الذي هو ضد العلم ، والجهل الذي هو بمعنى السفه والطيش . ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مرزوئين بفساد العقل والنفس ، بجمعهم بين الاسراف والعدوان والجهل ، فلا هم يعقلون ضرر هذه الفاحشة في الجناية على النسل وعلى الصحة وعلى الفضيلة والآداب العامة ولا غيرها من منكراتهم - فيجتنبوها أو يجتنبوا الاسراف فيها - ولا هم على شيء من الحياء وحسن الخلق يصرفهم عن ذلك وما كان العلم بالضرر وحده ليصرف عن السوء والفساد ، إذا حرم صاحبه الفضائل ومكارم الأخلاق ، بل الفضائل الموهوبة بسلامة الفطرة ، عرضة للفساد بسوء القدوة ، الا إذا رسخت بالفضائل المكسوبة بتربية الدين ، فإننا نعلم أن هذه الفاحشة فاشية بين أعرف الناس بمفاسدها ومضارها في الأبدان والأنفس ونظام الاجتماع من المتعلمين على الطريقة المدنية العصرية حتى الباحثين في الفلسفة منهم ، فقد بلغني عن بعضهم أنه قال لاخدانه : ان هذه الفعلة لا تحدث نقصا في النفس الناطقة ! ! ونقول يا لها من فلسفة فاسقة ! ! أليسوا يستخفون بها من الناس حتى أشدهم استباحة للشهوات كالأفرنج لكي لا ينتقصوهم ويمتهنوهم ؟ أو ليسوا بذلك يشعرون بنقص أنفسهم الناطقة ودنسها ، فإن لم يشعر الفاعل ، أفلا يشعر القابل ؟ بلى ولكن قد يجهل كثير من الاحداث الذين يخدعون عن أنفسهم بهذه الفاحشة أنهم يصابون بداء الابنة ، حتى إذا كبر أحدهم وصار لا يجد من الفساق من يرغب في اتيانه للاستمتاع به يبحث هو في الخفاء