الشيخ محمد رشيد رضا
510
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهو توحيد العبادة للعلم به مما قبله ومما ذكر في غير هذه السورة اي أرسلناه في الوقت الذي انكر على قومه فعل الفاحشة فيما بلغهم من دعوى الرسالة ، وقيل إن لوطا منصوب بفعل مقدر ، اي واذكر لوطا إذ قال لقومه موبخا لهم : اتفعلون الفعلة البالغة منتهى القبح والفحش ؟ ( ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ) بل هي من مبتدعاتكم في الفساد ، فأنتم فيها قدوة سوء فعليكم وزرها ومثل أوزار من يتبعكم فيها إلى يوم القيامة . فالجملة استئناف نحوي أو بياني يؤكد التوبيخ ببيان انه فساد مخالف لمقتضى الفطرة ولهداية الدين معا ، والباء في قوله « بِها » للتعدية أو الملابسة أو الظرفية - أقوال . وقوله « مِنْ أَحَدٍ ) يفيد تأكيد النفي وعمومه المستغرق لكل البشر على الظاهر المتبادر وان كان اللفظ يصدق بعالمي رمانهم ، ولكونهم هم المبتدعين لها اشتق العرب لها اسما من لوط فقالوا لاط به لواطة * * * ( إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ ) « 1 » استئناف بياني مفسر للاتيان المجمل الذي قبله . والاتيان كناية عن الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين تدعو اليه الشهوة ويقصد به النسل ، وتعليله هنا بالشهوة وتجنب النساء بيان لخروجهم عن مقتضى الفطرة ، وما اشتملت عليه هذه الغريزة من الحكمة التي يقصدها الانسان العاقل والحيوان الأعجم . فسجل عليهم بابتغاء الشهوة وحدها انهم اخس من العجماوات وأضل سبيلا ، فان ذكورها تطلب إناثها بسائق الشهوة لأجل النسل الذي يحفظ به نوع كل منها ، ألا ترى أن الطير والحشرات تبدأ حياتها الزوجية ببناء المساكن الصالحة لنسلها في راحته وحفظه مما يعد وعليه - من عش في أعلى شجرة أو وكنة في قلة جبل أو جحر في باطن الأرض أو غيل في داخل أجمة أو حرجة ؟ - وهؤلاء المجرمون لا غرض لهم إلا إرضاء حس الشهوة ، وقضاء وطر اللذة . ومن قصد الشهوات لذاتها تمتعا بلذاتها ، دون الفائدة التي خلقها اللّه تعالى لأجلها ، جنى على نفسه غائلة الاسراف فيها ، فانقلب نفعها ضرا ، وصار خيرها شرا ، بجعل الوسيلة مقصدا ، وصيرورة الاسراف فيه خلقا ، إذ الفعل يكون حينئذ عن
--> ( 1 ) أنافع وحفص عن عاصم إنكم بهمزة واحدة مكسورة على الخبر ، وقال الرازي بعد ذكر الاءة : ومذهب عاصم أن يكتفى بالاستفهام بالأولى عن الثانية في كل الآن ، وأابن كثير أئنكم بهمزة غير ممدودة وتليين الثانية ، وأأبو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف وتليين الثانية ، والباقون بهمزتين على الأصل في الاستفهام