الشيخ محمد رشيد رضا

504

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يقال عثى يعثي وعثي يعثى « من بابي ضرب وعلم » عثيا وعثيانا وعثا يعثو عثوا بمعنى أفسد وكفر وتكبر ومثله مقلوبه : عاث يعيث عيثا وعيثانا . وفيه معنى الاسراف والتبذير مع الافساد وقال الراغب : العيث والعثي يتقاربان نحو جذب وجبذ الا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا والعثي فيما يدرك حكما اه والمعنى ولا تتصرفوا في هذه النعم تصرف عثيان وكفر بمخالفة ما يرضي اللّه فيها حال كونكم متصفين بالافساد ثابتين عليه . وقال المفسرون إن مفسدين حال مؤكدة ، والصواب أنها تفيد معنى زائدا على التأكيد كما علمت * * * ( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ : أَ تَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ؟ ) مضت سنة اللّه تعالى بأن يسبق الفاء المستضعفون من الناس إلى إجابة دعوة الرسل واتباعهم وإلى كل دعوة إصلاح لأنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تبعا لغيرهم ، وأن يكفر بهم أكابر القوم المتكبرون ، والأغنياء المترفون ، لأنه يشق عليهم أن يكونوا مرءوسين ، وأن يخضعوا للأوامر والنواهي التي تحرم عليهم الاسراف الضار ، وتوقف شهواتهم عند حدود الحق والاعتدال . وعلى هذه السنة جرى الملأ من قوم صالح في قولهم للمؤمنين منهم : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه ؟ قيل إن السؤال للتهكم والاستهزاء : ولا مانع من جعله استفهاما حقيقيا إذ سألوهم عن العلم بأنه مرسل لارتيابهم في اتباعهم إياه عن علم برهاني ، وتجويزهم أن يكون عن استحسان ما وتفضيل له عليهم ، واختيار لرياسته على رياستهم ( قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) أي إنا بما أرسل به دون ما يخالفه من الشرك والفساد مصدقون بأنه جاء به من عند اللّه تعالى ومذعنون له بالفعل . فان الايمان هو التصديق الذي يجزم به العقل ، ويطمئن به القلب ، وتخضع له الإرادة ، وتعمل بهديه الجوارح ، وكان مقتضى مطابقة الجواب للسؤال أن يقولوا نعم ، أو نعلم أنه مرسل من ربه ، أو إنا برسالته عالمون . ولكنهم أجابوا بما يستلزم هذا المعنى ويزيد عليه ، وهو انهم علموا بذلك علما يقينيا إذعانيا له السلطان على عقولهم وقلوبهم ، إذ آمنوا به إيمانا صادقا كاملا صار صفة من صفاتهم الراسخة التي تصدر عنها أعمالهم ، وما كل من يعلم شيئا يصل