الشيخ محمد رشيد رضا
505
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
علمه إلى هذه الدرجة ، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان ، وهو ينفر منه بالوجدان ، فيجحده ويحاربه وهو موقن به ، استكبارا عنه أو حسدا لأهله ، ( وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ) * * * ( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون لأنه يتضمن إثبات أصل الرسالة له ، ولو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بأنهم جاحدون للحق على علم لمحض الاستكبار * * * ( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ) أصل الع الجرح وع الإبل قطع قوائمها ، وكانوا يعون البعير قبل نحره ليموت في مكانه ولا يند ، ثم صار يستعمل بمعنى النحر وهو طعنه في المكان المعروف من حلقه بالمنحر . اسند الع إلى هؤلاء المستكبرين الكافرين وقيل إلى جميع الكفار من القبيلة - والمتعاطي له واحد منهم - لأنه بتواطئهم ورضاهم كما قال في آية القمر ( فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ ) وفي حديث البخاري مرفوعا « فانتدب لها رجل ذو عز ومنعة في قومه كأبي زمعة » ومثل هذا من أعمال الأمم ينسب إليها في جملتها كما أنها تعاقب عليه في جملتها ولو بقي الصالحون فيها لأصلبهم العذاب ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ) وقد روي عن قتادة أن عا الناقة قال : لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين . فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون : أترضين ؟ فتقول نعم ، وعلى الصبي . . . حتى رضوا أجمعين فعوها ( وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) أي تمردوا مستكبرين عن امتثال أمر ربهم ، ضمن العتو معنى الاستكبار . والعتو في اللغة التمرد والامتناع ، ويكون عن ضعف وعجز ومنه عتا الشيخ وبلغ من الكبر عتيا : إذا أسن فامتنع من المواتاة على ما يراد منه - وعن قوة وعتو كوصف الريح الشديدة بالعاتية ، ومنه عتو الجبارين والمستكبرين ، وتوصف النخلة العالية بالعاتية لامتناعها على من يريد جناها إلا بمشقة التسلق والصعود . روى أحمد والحاكم باسناد حسنه الحافظ ابن حجر عن جابر قال : لما مر رسول اللّه ( ص ) بالحجر قال « لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح وكانت الناقة ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم ، وكانت تشرب يوما ويشربون لبنها يوما ، فعوها فأخذتهم صيحة أهمد اللّه من تحت أديم السماء