الشيخ محمد رشيد رضا

503

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

منقوض بما في سورة الشعراء من تعدد عيون الماء عندهم وهو قول صالح لهم ( أتتركون فيما هاهنا آمنين ؟ في جنات وعيون ونخل طلعها هضيم ؟ ) وقد روى أحمد عن عبد اللّه بن عمر مرفوعا انه كان لهم آبار وأن النبي ( ص ) دل المسلمين على البئر التي كانت تشرب منها الناقة حين مروا بديار قوم صالح في غزوة تبوك . وفي البخاري عنه أنه ( ص ) أمرهم أن يستقوا منها ويهريقوا ما استقوا من غيرها من تلك الآبار . قال العلماء وقد علمها بالوحي . ولا يصح شيء يحتج به في خلق الناقة من الصخرة أو من هضبة من الأرض كما روي عن أبي الطفيل والمتبادر إلى الذهن من إضافة الأرض إلى اللّه تعالى أن المراد بها المباحة للانعام أن ترعى ما ينبت فيها من الكلأ وغيره دون ما يزرعه الناس ويحمونه لأنفسهم ، وفيه مراعاة النظير بين ناقة اللّه وأرض اللّه ، أي فذروا واتركوا ناقته تأكل من أرضه التي خلقها وأباحها لخلقه . والمتبادر من تنكير السوء في سياق النهي أن الوعيد مرتب على أي نوع من أنواع الايذاء لها في نفسها أو أكلها أو شربها كما تقدم فكيف وقد عوها * * * ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً ) أي وتذكروا إذ جعلكم اللّه تعالى خلفاء لعاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس وبوأكم في الأرض أي أنزلكم فيها وجعلها مباءة ومنازل لكم : تتخذون من سهولها قصورا زاهية ، ودورا عالية ، بما حذقتم بالهامه تعالى من فنون الصناعة ، كضرب الآجر واللبن والجص وهندسة البناء ودقة النجارة ، وتنحتون الجبال أي بعضها كما قال في آية أخرى ( مِنَ الْجِبالِ ) * بيوتا بما علمكم من فن النحت ، وآتاكم من القوة والصبر ، قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة فيها من القوة التي لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف ، ويسكنون السهول في سائر الفصول لأجل الزراعة والعمل ، ولم تكن القصور فيها متينة ولا الطرق مرصوفة ، بحيث يرتاح ساكنها في أيام الأمطار الشديدة ( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) أي فتذكروا نعم اللّه تعالى عليكم في ذلك كله واشكروها له بتوحيده وافراده بالعبادة واستعمالها فيما فيه صلاحكم ولا تستبدلوا الكفر بالشكر فتعثوا في الأرض مفسدين