الشيخ محمد رشيد رضا
493
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الخيط اه وفي الكشاف : يقال نصحته ونصحت له ، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على امحاض النصيحة وانها وقعت خالصة للمنصوح مقصودا بها جانبه لا غير ، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فيقصد النفعين جميعا ، ولا نصيحة امحض من نصيحة اللّه ورسله عليهم السّلام اه فعلم منه أن الأصل في النصيحة أن يقصد بها صلاح المنصوح له لا الناصح ، فإن كان له فائدة منها وجاءت تبعا فلا بأس ، وإلا لم تكن النصيحة خالصة ، وفي الحديث عن تميم الداري أن رسول اللّه ( ص ) قال « الدين النصيحة - قلنا لمن يا رسول اللّه ؟ قال - للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » رواه مسلم وأبو داود والنسائي ( وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) قيل إن هذه الجملة معطوفة على ما قبلها والظاهر عندي انها حالية . أي أبلغكم ما ارسلني اللّه تعالى به إليكم من علم وحكم وأنصح لكم بما أعظكم به من الترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، وأنا في هذا وذاك على علم من اللّه أوحاه إلي لا تعلمون منه شيئا أو : وأعلم من امر اللّه وشؤونه ما لا تعلمونه وهو العلم بصفاته وتعلقها وآثارها في خلقه وسننه في نظام هذا العالم وما ينتهي اليه وما بعده من أمر الآخرة والحساب والجزاء - فإذا نصحت لكم وأنذرتكم عاقبة شرككم وما اقتضته حكمته تعالى من انزال العذاب بكم في الدنيا إذا جحدتم وعاندتم فإنما انصح لكم عن علم يقين لا تعلمونه * * * ( أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ ؟ ) الهمزة في أول الجملة للاستفهام الانكاري ، والواو بعدها للعطف على محذوف مقدر بعد الهمزة والمعنى أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم ؟ ( لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أي لأجل أن يحذركم عاقبة كفركم ويعلمكم بما أعد اللّه له من العقاب بما تفهمونه منه لأنه منكم - ولأجل أن تتقوا بهذا الانذار ما يسخط ربكم عليكم من الشرك في عبادته ، والافساد في ارضه - وليعدكم بالتقوى لرحمة ربكم المرجوة لكل من أجاب الدعوة واتقى ، علل مجيئه بالرسالة بعلل ثلاث متعاقبة مرتبة كما ترى وقد علم من قوله « على رجل منكم » ان شبهتهم على الرسالة هي كون الرسول بشرا مثلهم كأن الاشتراك في البشرية وصفاتها العامة يقتضي التساوي في الخصائص والمزايا ويمنع الانفراد بشيء منها ، وهذا باطل بالاختبار والمشاهدة في الغرائز